كشف قائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مظلوم عبدي عن وجود ترتيبات قيد البحث لزيارة محتملة إلى تركيا، في خطوة تعكس تحولات لافتة في مسار الاتصالات بين الطرفين. وأشار إلى أن هذه الزيارة، في حال تأكدت، قد تتضمن لقاءً مع عبد الله أوجلان، مؤسس حزب العمال الكردستاني المسجون في تركيا منذ عام 1999.
وجاءت تصريحات عبدي في سياق مقابلة صحفية، حيث أوضح أن فكرة الزيارة “قيد الإعداد”، دون تقديم تفاصيل دقيقة حول طبيعة الدعوة أو جدولها، مكتفيًا بالإشارة إلى استمرار قنوات التواصل مع مسؤولين أتراك.
أوجلان في قلب المعادلة
إمكانية لقاء عبدي بأوجلان تحمل دلالات سياسية عميقة، بالنظر إلى رمزية الأخير في الحركة الكردية، رغم تصنيف حزب العمال الكردستاني كمنظمة إرهابية من قبل تركيا وحلفائها الغربيين. وتعتبر أنقرة أن وحدات حماية الشعب، العمود الفقري لـ”قسد”، امتداد مباشر للحزب، في حين ترى الولايات المتحدة في “قسد” شريكًا رئيسيًا في محاربة تنظيم “داعش”.
مسار تفاوضي ثلاثي الأبعاد
أكد عبدي أن أي حوار مع تركيا سيكون أكثر جدوى إذا شاركت فيه الحكومة السورية، في إشارة إلى تداخل المسارات التفاوضية بين أنقرة ودمشق و”قسد”. كما نفى صحة تقارير تحدثت عن لقاء جمعه بالسفير التركي في دمشق، معتبرًا تلك المعلومات غير دقيقة.
اتفاق الاندماج مع دمشق: بين التقدم والانتقادات
تأتي هذه التطورات بعد توقيع اتفاق معدل لوقف إطلاق النار والاندماج مع الحكومة السورية في التاسع والعشرين من يناير، وهو اتفاق أعقب مواجهات ميدانية وأثار جدلًا واسعًا داخل الأوساط الكردية. منتقدو الاتفاق يرون أنه لم يوفر ضمانات كافية لحماية الحقوق السياسية والثقافية والإدارية للأكراد.
في المقابل، دافع عبدي عن الاتفاق، مؤكدًا أن الهدف الأساسي هو ضمان تنفيذ عملية الاندماج بشكل “عادل ومتوازن”، مع الحفاظ على خصوصية المناطق ذات الغالبية الكردية.
إعادة هيكلة القوات والمؤسسات
ضمن خطوات الاندماج، تم تشكيل أربع فرق عسكرية من مقاتلي “قسد” بقيادة ضباط منها، وانضمت إلى الجيش السوري، ويبلغ قوام كل فرقة نحو ثلاثة آلاف عنصر. وتنتشر هذه التشكيلات في كوباني، وديريك، والحسكة، والقامشلي.
ورغم ذلك، لم يتم حل “قسد” بشكل كامل، إذ ستستمر في العمل إلى حين استكمال عملية الدمج. كما ستبقى قوات الأمن الداخلي “الأسايش” قائمة في المناطق الكردية، على أن يجري دمجها لاحقًا ضمن مؤسسات الدولة السورية، ويقدر عدد عناصرها بنحو خمسة عشر ألفًا.
الترتيبات الإدارية والتعليمية
اتُفق مع دمشق على استمرار نحو خمسين ألف موظف من الإدارة الذاتية في وظائفهم، مع تولي الوزارات السورية دفع رواتبهم. وفي الملف التعليمي، أقرت الحكومة السورية الاعتراف بشهادات المرحلتين الإعدادية والثانوية الصادرة عن الإدارة الذاتية منذ تأسيسها.
وسيحصل الطلاب المتخرجون في العامين الدراسيين الحالي والمقبل على شهادات رسمية من الدولة السورية، فيما ستتولى لجنة مشتركة بحث مستقبل المناهج، مع تمسك “قسد” بحق التعليم باللغة الكردية في المناطق ذات الغالبية الكردية.
المعابر والتوترات الميدانية
أشار عبدي إلى اتفاق مع دمشق على إعادة فتح معبر نصيبين–القامشلي الحدودي بين تركيا وسوريا، مع تحديد موعد لذلك، إلا أن التنفيذ تأجل بسبب توترات شهدتها مدينة الحسكة على خلفية إزالة لافتة باللغة الكردية من مبنى قضائي. وأكد أن الأزمة تمت معالجتها، وأن إعادة فتح المعبر باتت وشيكة.
مراجعة الأخطاء وانتقاد الدور الأمريكي
أقر عبدي بوجود أخطاء في جولات التفاوض السابقة مع دمشق، خاصة فيما يتعلق بتوقيت وشروط الاندماج في مناطق ذات غالبية عربية مثل الرقة ودير الزور. وأوضح أن “قسد” كانت تسعى للتفاوض على كامل شمال وشرق سوريا كوحدة واحدة، لكنها لم تُبدِ “مرونة كافية” في بعض المراحل.
كما وجّه انتقادات للسياسة الأمريكية، معتبرًا أن واشنطن تأخرت في التدخل لوقف التصعيد الأخير، وأنها مالت لصالح الحكومة المركزية في دمشق. ومع ذلك، أشار إلى استمرار متابعة المبعوث الأمريكي توم باراك وفريقه لتنفيذ اتفاق الاندماج.
دلالات
تعكس هذه التطورات تحولًا تدريجيًا في هندسة المشهد السوري، حيث تتقاطع مسارات التهدئة بين “قسد” ودمشق مع محاولات فتح قنوات تواصل غير مباشرة مع أنقرة. احتمال زيارة عبدي إلى تركيا، إن تحقق، قد يمثل نقطة انعطاف في العلاقة المعقدة بين الطرفين، وربما يفتح الباب أمام ترتيبات أمنية جديدة تتجاوز المقاربة العسكرية التقليدية.
كما أن إدماج “قسد” في الجيش السوري يعكس توجهًا نحو إعادة مركزية الدولة، لكن بشروط تفاوضية تسعى من خلالها القوى الكردية للحفاظ على مكاسبها المحلية. وفي ظل تراجع الحضور الأمريكي النسبي، تبدو الساحة مفتوحة أمام تفاهمات إقليمية جديدة تعيد رسم موازين القوى في شمال سوريا.
الخلاصة
التحركات الجارية تشير إلى انفتاح حذر بين “قسد” وتركيا ضمن مسار إقليمي معقد. كما تعكس محاولة لإعادة ترتيب الوضع الكردي داخل الدولة السورية دون فقدان مكتسباته.

