قررت المحكمة الجنائية العليا الخامسة والعشرون في إسطنبول الإبقاء على احتجاز رئيس بلدية إسطنبول السابق أكرم إمام أوغلو وثلاثة متهمين آخرين، بعد رفض طلبات الإفراج المقدمة في إطار محاكمة تتعلق بتهم “التجسس السياسي”.
وجاء القرار استجابة لطلب النيابة العامة التي اعتبرت أن التحقيقات لم تُستكمل بعد، وأن بدائل الإفراج المشروط أو الرقابة القضائية غير كافية في هذه المرحلة.
انعقدت جلسات المحاكمة بالقرب من مجمع سجن مرمرة في سيليفري، حيث استكمل المتهمون ومحاموهم مرافعاتهم خلال اليومين السابقين، قبل أن تقدم النيابة رأيها بشأن التدابير المؤقتة. وقررت المحكمة تأجيل الجلسات إلى السادس من يوليو، مع تحديد موعد لمراجعة استمرار التوقيف في الحادي عشر من يونيو.
المتهمون والتهم الموجهة
تشمل القضية إلى جانب إمام أوغلو كلًا من رجل الأعمال حسين غون، ومستشار الحملات الانتخابية نجاتي أوزكان، والصحفي مردان ينرداغ. ويواجه الأربعة عقوبات قد تصل إلى عشرين عامًا لكل منهم، بناءً على اتهامات مرتبطة بالتجسس والتعاون مع جهات أجنبية.
ترتكز لائحة الاتهام على مزاعم بأن غون، بصفته مستثمرًا تقنيًا ذا علاقات دولية، ساهم في تمكين أطراف مرتبطة بأجهزة استخبارات أجنبية من الوصول إلى بيانات بلدية إسطنبول وتحليلات الحملات الانتخابية، بهدف التأثير على نتائج انتخابات البلدية عام 2019 لصالح إمام أوغلو.
كما تتهم النيابة بنقل بيانات ملايين المستخدمين من تطبيق “إسطنبول لك” إلى خارج البلاد، وطرحها للبيع عبر الإنترنت المظلم، في فترة تمتد من عام 2019 حتى 2025.
إجراءات إضافية وتوسيع نطاق التحقيق
رفضت المحكمة أيضًا طلبات الدفاع المتعلقة برفع تجميد أصول حسين غون، وكذلك إنهاء الوصاية المفروضة على قناة “TELE1” المعارضة، التي كان يديرها يانارداğ قبل اعتقاله. وكانت هيئة صندوق تأمين الودائع (TMSF) قد عينت وصيًا على القناة، قبل عرضها لاحقًا للبيع.
في سياق متصل، طلبت النيابة معلومات تقنية إضافية من هيئة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات (BTK) بشأن عناوين بروتوكول الإنترنت ومزودي الخوادم المستخدمة من قبل بلدية إسطنبول، كما دعت جهاز الاستخبارات الوطنية (MİT) ووحدة مكافحة الإرهاب في الشرطة إلى تحليل البيانات الرقمية المرتقبة للتحقق من صحة عناوين البريد الإلكتروني الواردة ضمن أدلة الاتهام.
موقف إمام أوغلو والسياق السياسي
ينفي إمام أوغلو بشكل قاطع جميع التهم، مؤكدًا أنه لا يمتلك أي صلة بأجهزة استخبارات أو أفراد مرتبطين بها، واصفًا الاتهامات بأنها “عبثية”. ويُعد من أبرز وجوه المعارضة التركية والمرشح المحتمل لحزب الشعب الجمهوري في انتخابات الرئاسة المقبلة عام 2028.
يقبع إمام أوغلو في سجن مرمرة منذ أكثر من عام، بعد توقيفه في مارس 2025 ضمن تحقيق منفصل يتعلق بالفساد في بلدية إسطنبول، والذي أدى لاحقًا إلى عزله من منصبه.
قضايا موازية وتصعيد قانوني
تتزامن هذه المحاكمة مع ملف قضائي آخر أكثر اتساعًا، حيث قدمت النيابة في نوفمبر لائحة اتهام ضخمة تتهم إمام أوغلو بقيادة شبكة إجرامية وارتكاب مئات المخالفات، مع طلب عقوبات تصل إلى 2430 عامًا من السجن. وتشمل الاتهامات في ذلك الملف جرائم مثل الرشوة، والاختلاس، وغسل الأموال، والابتزاز، والتلاعب بالمناقصات.
أبعاد سياسية وتحليل سياقي
تثير هذه القضايا جدلًا واسعًا داخل تركيا وخارجها، حيث يرى منتقدون أن الملاحقات القضائية المتتالية تستهدف إقصاء أحد أبرز منافسي الرئيس رجب طيب أردوغان من المشهد السياسي قبل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة. في المقابل، تنفي الحكومة التركية أي تدخل في عمل القضاء، مؤكدة استقلاليته.
من زاوية تحليلية، تعكس القضية تداخلًا واضحًا بين القانون والسياسة في السياق التركي، خاصة مع توظيف تهم ذات طابع أمني وتقني معقد، مثل التجسس الرقمي ونقل البيانات، في إطار صراع سياسي محتدم. كما يشير توسيع التحقيق ليشمل بنى تحتية رقمية وبيانات ضخمة إلى تحول نوعي في طبيعة القضايا السياسية نحو المجال السيبراني.
الخلاصة
القضية تمثل اختبارًا حاسمًا لاستقلال القضاء التركي وسط تصاعد التوتر السياسي. كما تكشف عن انتقال الصراع السياسي إلى فضاءات رقمية وأمنية أكثر تعقيدًا.

