شهدت العلاقات التركية البلجيكية دفعة سياسية واقتصادية جديدة مع زيارة ملكة بلجيكا الملكة ماتيلد إلى تركيا ضمن بعثة اقتصادية رفيعة المستوى، في تحرك يعكس تنامي الاهتمام الأوروبي بتعزيز الشراكات مع أنقرة في مجالات التمويل والدفاع والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد والطاقة، وسط التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعيشها أوروبا منذ الحرب الروسية الأوكرانية.
وتحوّلت الزيارة، التي تُعد أول بعثة اقتصادية ملكية بلجيكية إلى تركيا منذ 14 عاماً، إلى منصة سياسية واقتصادية واسعة لبحث إعادة تموضع العلاقات الثنائية ضمن معادلات الأمن الأوروبي والتكامل الصناعي والتجاري.
محطة مالية بارزة داخل مركز إسطنبول المالي
في اليوم الثالث من برنامج البعثة الاقتصادية في إسطنبول، زارت الملكة ماتيلد مقر البنك المركزي التركي داخل مجمع مركز إسطنبول المالي، في خطوة حملت دلالات اقتصادية ورمزية تتجاوز الطابع البروتوكولي.
ورافق الوفد البلجيكي خلال الزيارة كل من وزير الخزانة والمالية التركي محمد شيمشك، ووزيرة الأسرة والخدمات الاجتماعية ماهنور أوزدمير غوكتاش، إضافة إلى محافظ البنك المركزي التركي فاتح قره خان.
وتأتي الزيارة في وقت تسعى فيه أنقرة إلى تقديم مركز إسطنبول المالي بوصفه منصة إقليمية جديدة للاستثمار والتمويل وربط الأسواق الأوروبية والآسيوية، خصوصاً مع سعي الحكومة التركية لاستعادة ثقة المستثمرين الأجانب بعد سنوات من التقلبات النقدية وارتفاع التضخم.
اتفاقيات اقتصادية ودفاعية تتوسع بسرعة
أكد وزير التجارة التركي عمر بولاط أن البعثة الاقتصادية أسفرت حتى الآن عن توقيع 27 اتفاقية تعاون بين شركات ومؤسسات تركية وبلجيكية، مشيراً إلى أن أكثر من 30 شركة تركية تعمل في مجالات الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا تستعد لتوقيع اتفاقيات إضافية مع نظيراتها البلجيكية.
وأوضح بولاط أن بلجيكا أبدت اهتماماً متزايداً بالتعاون مع قطاع الصناعات الدفاعية التركي، في مؤشر جديد على التحول الذي طرأ على النظرة الأوروبية تجاه القدرات العسكرية والتكنولوجية التركية خلال السنوات الأخيرة.
ويعكس هذا التوجه إدراكاً أوروبياً متنامياً لأهمية تركيا في مشاريع التصنيع الدفاعي، خصوصاً مع سعي الدول الأوروبية إلى تقليص اعتمادها على الموردين الخارجيين وتعزيز الاكتفاء الصناعي العسكري داخل القارة.
بعثة غير مسبوقة منذ أكثر من عقد
تُعد هذه الزيارة أول بعثة اقتصادية ملكية بلجيكية إلى تركيا منذ عام 2012، ما يمنحها ثقلاً سياسياً خاصاً في سياق العلاقات الثنائية.
وضم الوفد البلجيكي عدداً كبيراً من كبار المسؤولين، بينهم وزير الخارجية البلجيكي ماكسيم بريفو، ووزير الدفاع والتجارة الخارجية ثيو فرانكن، ورئيس حكومة إقليم بروكسل بوريس ديلييس، إضافة إلى رئيس حكومة إقليم فلاندرز ماتياس ديبندايلي، ونائب رئيس حكومة والونيا بيير إيف جيوليه، فضلاً عن مئات رجال الأعمال وممثلي الشركات البلجيكية.
وكانت وزارة الخارجية البلجيكية قد أعلنت قبل الزيارة أن البعثة ستركز على قطاعات التحول الطاقي، والطيران والدفاع، والموانئ والخدمات اللوجستية والنقل، والصناعات الدوائية والتكنولوجيا الحيوية، إضافة إلى التكنولوجيا الرقمية.
الصناعات الدفاعية في قلب التقارب الجديد
برز البعد الدفاعي بوضوح خلال الزيارة، سواء عبر اللقاءات الرسمية أو من خلال أجندة الشركات المشاركة.
وأشارت الخارجية البلجيكية إلى أن شركات الدفاع البلجيكية ستعقد لقاءات مباشرة مع نظيراتها التركية في أنقرة، إلى جانب المشاركة في ورش عمل وندوات متخصصة وزيارات ميدانية لشركات تركية وفروع شركات بلجيكية داخل تركيا.
وفي هذا السياق، أشاد وزير الدفاع البلجيكي ثيو فرانكن بالتطور السريع الذي شهدته الصناعات الدفاعية التركية، وخصّ بالذكر شركة بايكار المتخصصة في إنتاج الطائرات المسيّرة، معتبراً أنها تحتل “مكانة فريدة داخل حلف الناتو” بفضل تركيزها على الابتكار والتطوير التكنولوجي.
وتأتي هذه التصريحات في ظل الاهتمام الأوروبي المتزايد بالطائرات المسيّرة التركية، التي اكتسبت حضوراً دولياً واسعاً بعد استخدامها في عدة ساحات صراع، من أوكرانيا إلى جنوب القوقاز وشمال أفريقيا.
تركيا تحاول تثبيت موقعها داخل المنظومة الأوروبية
خلال منتدى الأعمال التركي البلجيكي في إسطنبول، وقع وزراء التجارة والخارجية والدفاع من الجانبين إعلاناً مشتركاً يهدف إلى تطوير العلاقات التجارية الثنائية وفتح آفاق جديدة للاستثمار.
ودعا عمر بولاط بلجيكا إلى دعم تحديث اتفاقية الاتحاد الجمركي بين تركيا والاتحاد الأوروبي، معتبراً أن الاتفاقية الحالية لم تعد تتماشى مع التحولات الاقتصادية العالمية ومتطلبات التجارة الحديثة.
وتعود اتفاقية الاتحاد الجمركي إلى عام 1996، وتشمل السلع الصناعية والمنتجات الزراعية المصنعة، لكنها لا تغطي قطاعات الخدمات أو المشتريات الحكومية أو معظم المنتجات الزراعية.
وترى أنقرة أن استمرار العمل بالإطار الحالي يضعها تحت تأثير السياسات التجارية الأوروبية دون منحها دوراً مباشراً في عملية صنع القرار.
دعم بلجيكي لتحديث الاتحاد الجمركي
من جهته، أبدى وزير الخارجية البلجيكي ماكسيم بريفو دعماً واضحاً لفكرة تحديث الاتحاد الجمركي، معتبراً أن إدارة العلاقات الاقتصادية الحالية عبر إطار وُضع قبل ثلاثة عقود لم تعد مقاربة منطقية في ظل التحولات الاقتصادية والتكنولوجية الراهنة.
كما أطلق بريفو واحدة من أقوى الرسائل السياسية خلال الزيارة حين وصف تركيا بأنها “حارس الجناح الجنوبي الشرقي للقارة الأوروبية”، مؤكداً أنها تمثل شريكاً استراتيجياً لكل من بلجيكا وحلف الناتو.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تعيد فيه أوروبا تقييم بنيتها الأمنية بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، وسط تزايد الشكوك حول مستقبل الالتزام الأمني الأميركي تجاه القارة الأوروبية.
وأشار بريفو إلى أن بلجيكا حققت العام الماضي هدف الإنفاق الدفاعي المحدد داخل حلف الناتو عند مستوى 2 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، مؤكداً استمرار بروكسل في زيادة استثماراتها العسكرية.
الاقتصاد والتجارة في صلب الزيارة
إلى جانب البعد السياسي والدفاعي، احتلت الملفات الاقتصادية موقعاً مركزياً في أجندة البعثة.
وأوضح عمر بولاط أن تركيا وبلجيكا تستهدفان رفع حجم التبادل التجاري إلى 15 مليار دولار، مقارنة بنحو 9.3 مليار دولار خلال عام 2025.
وأضاف أن حجم الاستثمارات البلجيكية داخل تركيا بلغ قرابة 5 مليارات دولار، بينما تقترب الاستثمارات التركية في بلجيكا من 750 مليون دولار.
وتعتبر بلجيكا تركيا خامس أكبر شريك تجاري لها خارج الاتحاد الأوروبي، فيما تنظر بروكسل إلى السوق التركية باعتبارها بوابة استراتيجية تضم أكثر من 85 مليون نسمة، وتشكل مركزاً صناعياً ولوجستياً يربط أوروبا بآسيا والشرق الأوسط.
أنقرة تسعى للاندماج في سلاسل التوريد الأوروبية
استغلت تركيا الزيارة للتأكيد على ضرورة دمج الشركات التركية بصورة أوسع داخل سلاسل القيمة الأوروبية وخطط التصنيع والدفاع المشتركة.
وشدد بولاط على أن السياسات الصناعية والتجارية الأوروبية يجب أن تكون “شاملة وغير إقصائية”، داعياً إلى عدم استبعاد الشركات التركية من مشاريع الإنتاج والتوريد الأوروبية.
ويأتي هذا الطرح في وقت تتجه فيه أوروبا إلى إعادة بناء سلاسل الإمداد بعد الأزمات التي كشفت هشاشة الاعتماد على الأسواق البعيدة، بدءاً من جائحة كورونا وصولاً إلى تداعيات الحرب في أوكرانيا.
زيارة تحمل أبعاداً تتجاوز الاقتصاد
رغم الطابع الاقتصادي الرسمي للبعثة، فإن لقاء الملكة ماتيلد بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إضافة إلى زيارتها السابقة لشركة بايكار، عكسا بوضوح وجود أبعاد سياسية ودفاعية أعمق خلف التحرك البلجيكي.
ويرى مراقبون أن أوروبا باتت تنظر إلى تركيا باعتبارها شريكاً يصعب تجاوزه في ملفات الأمن والطاقة والهجرة والصناعات الدفاعية، حتى في ظل استمرار الخلافات السياسية بين أنقرة وبعض العواصم الأوروبية بشأن الديمقراطية وحقوق الإنسان والسياسات الإقليمية.
ومن المنتظر أن ينتقل الوفد الرسمي إلى العاصمة التركية أنقرة لاستكمال برنامج الزيارة خلال اليومين المقبلين، حيث ستتركز اللقاءات على التعاون الدفاعي والصناعي والاستثمارات الاستراتيجية.
خلاصة
تكشف الزيارة الملكية البلجيكية إلى تركيا عن تحول تدريجي في المقاربة الأوروبية تجاه أنقرة، حيث تتقدم اعتبارات الأمن والدفاع والطاقة والتجارة على حساب الخلافات السياسية التقليدية.
كما تعكس البعثة الاقتصادية محاولة أوروبية لإعادة دمج تركيا بصورة أعمق داخل المنظومة الصناعية والاستراتيجية للقارة في ظل المتغيرات الجيوسياسية الكبرى.

