أثار الحكم الصادر عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بحق تركيا في قضية شعبان ياساك عاصفة سياسية وقضائية داخل أنقرة، بعدما اعتُبر القرار أخطر تطور قانوني يواجه منظومة المحاكمات المرتبطة بملفات حركة الخدمة منذ سنوات.
القرار لم يُنظر إليه بوصفه مجرد انتصار قانوني فردي، بل باعتباره تحولا قضائيا قد يفتح الباب أمام إعادة تقييم آلاف الأحكام الصادرة في تركيا بعد محاولة الانقلاب عام 2016، وهو ما يفسر حالة التوتر الواضحة داخل أوساط السلطة التركية، خصوصا بعد المقال الحاد الذي نشره المستشار الرئاسي محمد أوجوم عبر وكالة الأناضول الرسمية.
محمد أوجوم يدخل على خط الأزمة ويوجه رسائل للقضاء
في مقاله الأخير، بدا محمد أوجوم وكأنه يوجه “تعليمات سياسية” غير مباشرة إلى القضاة والمدعين العامين، مؤكدا أن الدولة لن تتراجع عن “مكافحة تنظيم فتح الله كولن”، وأن الاستمرار في هذه المواجهة “مسألة حيوية”.
لغة المقال حملت رسائل واضحة إلى المؤسسة القضائية بعدم التخفيف أو إعادة النظر في الملفات المرتبطة بالمحاكمات الجماعية التي أعقبت محاولة الانقلاب، في وقت تتزايد فيه الضغوط القانونية والحقوقية على أنقرة بسبب قرارات المحكمة الأوروبية.
أوجوم لم يكتف بالدفاع عن سياسات الحكومة، بل هاجم أيضا الأصوات المحافظة داخل النظام التي بدأت تدعو إلى مراجعة ملفات المفصولين بمراسيم الطوارئ، وعلى رأسهم رئيس البرلمان التركي الأسبق بولنت أرينتش، الذي سبق أن تحدث عن ضرورة معالجة أزمة المفصولين بمراسيم الطوارئ، وطرح فكرة “العفو العام” كأحد الحلول الممكنة.
المستشار الرئاسي اعتبر أن أي دعوات لإظهار “المرونة” تجاه المتهمين أو المفصولين تعني ـ بحسب وصفه ـ “دعما للخيانة والتجسس”، وهو خطاب يعكس حجم القلق داخل السلطة من التداعيات المحتملة للحكم الأوروبي الجديد.
لماذا يُعد حكم “شعبان ياساك” نقطة تحول؟
القرار الصادر عن الغرفة الكبرى للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في الخامس من مايو/أيار 2026 يُنظر إليه باعتباره حكما تأسيسيا قد يعيد رسم الإطار القانوني لآلاف القضايا المرتبطة بتهم “الانتماء لتنظيم إرهابي” في تركيا.
المحكمة الأوروبية خلصت إلى أن القضاء التركي أدان شعبان ياساك دون أن يثبت بشكل فردي ومحدد “القصد الجنائي”، أي دون تقديم أدلة قانونية تثبت أنه انضم عمدا وعن علم إلى تنظيم ذي أهداف إرهابية.
هذا الاستنتاج اعتبرته المحكمة انتهاكا مباشرا للمادة السابعة من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، التي تنص على مبدأ “لا جريمة ولا عقوبة بلا قانون”.
القرار لم يتوقف عند هذا الحد، بل سجل أيضا انتهاكا للمادة الثالثة المتعلقة بالمعاملة اللاإنسانية، بسبب الظروف القاسية داخل سجن تشوروم الذي احتُجز فيه ياساك.
كيف انقلب الحكم الأوروبي رأسا على عقب؟
القضية مرت بمراحل قضائية معقدة داخل المحكمة الأوروبية نفسها.
في البداية، نظرت الدائرة الثانية للمحكمة في الملف، وأصدرت في أغسطس/آب 2024 قرارا بالإجماع اعتبرت فيه أن تركيا لم تنتهك المادتين الثالثة والسابعة.
لكن فريق الدفاع طلب إحالة القضية إلى الغرفة الكبرى، وهو ما جرى قبوله في ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه.
بعد جلسات استماع علنية عُقدت في مايو/أيار 2025، أصدرت الغرفة الكبرى حكمها النهائي في مايو/أيار 2026، لتنقض تماما الحكم السابق، وتعلن وجود انتهاكات صريحة في الملف.
هذا التحول الكبير في موقف المحكمة الأوروبية منح القضية ثقلا استثنائيا، وجعلها مرجعا قضائيا ملزما لكل المحاكم الأوروبية والدول الأعضاء في مجلس أوروبا.
جوهر القضية: غياب “القصد الجنائي”
المحكمة الأوروبية ركزت على نقطة قانونية اعتبرتها جوهرية: هل أثبتت المحاكم التركية أن شعبان ياساك كان يعلم بأنه ينتمي إلى تنظيم ذي أهداف إرهابية؟ وهل ثبت أنه شارك عن قصد في مشروع عنيف؟
الإجابة كانت واضحة: لا.
المحكمة شددت على أن جريمة “العضوية في تنظيم إرهابي مسلح” ليست جريمة عادية، ولذلك لا يمكن إصدار الإدانة بناء على الانتماءات الاجتماعية أو العلاقات العامة أو الأنشطة المدنية وحدها.
وأكدت أن المسؤولية الجنائية يجب أن تكون “فردية ومحددة”، وأن أي حكم يجب أن يستند إلى أدلة تثبت علاقة فعلية وواعية بين المتهم والهيكل التنظيمي أو الأهداف العنيفة للتنظيم.
الأنشطة المنسوبة لياساك كانت قانونية بالكامل
من أبرز النقاط التي اعتمدت عليها المحكمة الأوروبية أن جميع الأنشطة المنسوبة إلى شعبان ياساك تعود إلى الفترة بين 2011 و2014، أي قبل محاولة الانقلاب بسنوات، وقبل تصنيف حركة الخدمة تنظيما إرهابيا من قبل السلطات التركية.
كما أن الأنشطة نفسها كانت قانونية بالكامل وقت حدوثها، وشملت العمل في مؤسسات تعليمية، والإقامة في مساكن طلابية، والتعامل مع بنك آسيا.
المحكمة اعتبرت أن هذه الأنشطة، بصيغتها القانونية والمدنية، لا يمكن أن تتحول تلقائيا إلى دليل على “الإرهاب”، ما لم تُثبت المحاكم وجود نية جنائية واضحة.
المحكمة الأوروبية تنتقد تجاهل السياق الزمني والسياسي
الحكم الأوروبي انتقد بشدة تجاهل القضاء التركي للسياق التاريخي والسياسي الذي كانت تعمل فيه حركة الخدمة قبل عام 2016.
فالحركة، بحسب المحكمة، كانت تُقدَّم لسنوات طويلة داخل المجتمع التركي باعتبارها شبكة تعليمية ودينية واجتماعية مشروعة، وكانت تنشط علنا في مجالات التعليم والإعلام والأعمال.
هذا الواقع ـ وفق المحكمة ـ يعني أن كثيرا من الأشخاص ربما تعاملوا مع مؤسسات الحركة دون أي معرفة بالأهداف التي اتهمها بها السلطات التركية لاحقا.
ورغم أهمية هذه النقطة، فإن المحاكم التركية ـ بحسب الحكم الأوروبي ـ لم تحاول حتى مناقشة ما إذا كان ياساك على علم بأي أهداف عنيفة أو سرية.
أسئلة جوهرية تجاهلتها المحاكم التركية
المحكمة الأوروبية اعتبرت أن القضاء التركي لم يقدم إجابات على أسئلة أساسية كان يفترض أن تكون محور المحاكمة، من بينها:
هل كانت لدى ياساك علاقة مباشرة بالبنية القيادية أو العسكرية للتنظيم المزعوم؟
هل كان يمتلك موقعا تنظيميا يتيح له معرفة الأهداف السرية أو العنيفة؟
هل كان على علم بأي مشروع انقلاب أو نشاط مسلح خلال الفترة التي نشط فيها داخل المؤسسات التعليمية؟
ما طبيعة موقعه داخل الهيكل التنظيمي الذي تحدثت عنه المحاكم التركية؟
هذه الأسئلة بقيت بلا إجابة، بينما اكتفت المحاكم التركية ـ وفق القرار الأوروبي ـ بسرد الأنشطة القانونية للمتهم دون تفسير كيف تحولت إلى دليل على “العضوية الإرهابية”.
القرار قد يعيد فتح آلاف الملفات في تركيا
القلق الحقيقي داخل السلطة التركية لا يتعلق فقط بقضية شعبان ياساك، بل بالتداعيات القانونية الواسعة للحكم.
فبما أن القرار صادر عن الغرفة الكبرى للمحكمة الأوروبية، فإنه يشكل سابقة قضائية قوية يمكن استخدامها لإعادة فتح آلاف القضايا المشابهة داخل تركيا.
خبراء قانونيون يرون أن الحكم يمنح آلاف المدانين في قضايا مرتبطة بحركة الخدمة فرصة للمطالبة بإعادة المحاكمة استنادا إلى المادة 311 من قانون الإجراءات الجنائية التركي.
كما قد يفتح الباب أمام طلبات تعويض، وإفراجات جديدة، وطعون إضافية أمام المحكمة الأوروبية.
العلاقة بحكم “يوكسال يالتشين قايا”
القرار الجديد لم يأتِ من فراغ، بل يُعد امتدادا للحكم الأوروبي الشهير في قضية يوكسال يالتشين قايا، الذي سبق أن وجه انتقادات حادة لآلية المحاكمات الجماعية في تركيا.
لكن قضية شعبان ياساك اعتُبرت أكثر حساسية، لأن ملف الأدلة فيها كان أوسع، وتضمن شهادات “مخبرين”، وادعاءات تتعلق بالبنية التنظيمية، واستخدام أسماء حركية، إلى جانب الأنشطة التعليمية والمالية.
ورغم ذلك، رأت المحكمة الأوروبية أن هذه العناصر لا تكفي وحدها لإثبات القصد الجنائي الفردي.
هل تدخل تركيا مرحلة أزمة قضائية شاملة؟
التقديرات المتداولة داخل الأوساط القانونية والسياسية التركية تشير إلى أن الحكم الأوروبي قد يتحول إلى أزمة بنيوية للنظام القضائي التركي، خصوصا إذا بدأت المحاكم المحلية باستقبال موجة واسعة من طلبات إعادة المحاكمة.
كما أن القضية تعيد إلى الواجهة الجدل حول استقلال القضاء التركي، ومدى تأثره بالمناخ السياسي الذي أعقب محاولة الانقلاب.
وتزداد حساسية الملف لأن أي مراجعة واسعة للأحكام قد تفتح نقاشا داخليا حول شرعية سنوات كاملة من المحاكمات الجماعية والإجراءات الاستثنائية التي شهدتها البلاد منذ 2016.
خلاصة
حكم المحكمة الأوروبية في قضية شعبان ياساك لا يمثل مجرد انتقاد قانوني لملف فردي، بل يشكل تحديا مباشرا للبنية القضائية التي اعتمدتها تركيا في ملاحقة آلاف المتهمين بعد محاولة الانقلاب.
أما ردود الفعل الغاضبة داخل أوساط السلطة، فتشير إلى إدراك متزايد بأن القرار قد يتحول إلى بوابة لإعادة فتح واحدة من أكثر الملفات حساسية وتعقيدا في تاريخ تركيا الحديث.

