في خطوة لافتة تعكس تصاعد القلق الأوروبي، وجّه ممثلون عن عدد من أبرز المؤسسات الأوروبية رسالة مشتركة إلى وزير الداخلية التركي مصطفى شفتشي، أعربوا فيها عن مخاوف متزايدة إزاء وضع الديمقراطية المحلية في تركيا، لا سيما في ظل استمرار احتجاز مسؤولين منتخبين وتأثير ذلك على آليات الحكم الديمقراطي.
وقد أعلن عن هذه المبادرة النادرة المقرر الخاص للبرلمان الأوروبي بشأن تركيا، ناتشو سانشيز أمور، واصفًا الرسالة بأنها تحرك غير مسبوق من حيث تنسيق المواقف بين مؤسسات أوروبية متعددة.
أطراف أوروبية متعددة توحّد موقفها تجاه تركيا
الرسالة حملت توقيع مقررين مختصين بملف تركيا من عدة هيئات، شملت الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا، ومؤتمر السلطات المحلية والإقليمية التابع للمجلس، إلى جانب البرلمان الأوروبي واللجنة الأوروبية للأقاليم. ويعكس هذا التلاقي المؤسسي حجم القلق المشترك إزاء التطورات الأخيرة في تركيا.
وأشار الموقعون إلى أنهم يتابعون عن كثب الأوضاع في تركيا، بوصفها دولة عضوًا قديمًا في مجلس أوروبا ومرشحة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، مؤكدين أن العلاقات القائمة تستند إلى مبادئ أساسية مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون.
إمام أوغلو في صلب الانتقادات الأوروبية
ركّزت الرسالة على قضية رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، أحد أبرز وجوه المعارضة التركية والمرشح الرئاسي المرتقب لحزب الشعب الجمهوري لعام 2028، والذي دخل احتجازه الاحتياطي عامه الثاني في الثالث والعشرين من مارس.
وكان إمام أوغلو قد أوقف في مارس 2025 بعد ساعات من إعلان ترشيحه رسميًا، في إطار تحقيقات تتعلق بتهم فساد و”تجسس سياسي”، وهي تهم أثارت جدلاً واسعًا واتهامات بأنها ذات دوافع سياسية، خاصة بعد اندلاع احتجاجات واسعة في مختلف أنحاء البلاد عقب توقيفه.
كما لفتت الرسالة إلى استمرار احتجاز عدد من المسؤولين المحليين المنتمين للمعارضة، في سياق حملة قضائية مستمرة تستهدف حزب الشعب الجمهوري.
تأثير مباشر على الإرادة الشعبية
أكد المسؤولون الأوروبيون أن هذه التطورات لا تقتصر على قضايا فردية، بل تمس جوهر العملية الديمقراطية، معتبرين أن استمرار احتجاز رؤساء البلديات المنتخبين يضعف حق المواطنين في اختيار ممثليهم بحرية.
وشددت الرسالة على أن هذه المخاوف طُرحت مرارًا في إطار الحوار السياسي مع السلطات التركية، دون تحقيق تقدم ملموس حتى الآن.
ما بعد انتخابات 2024: تصعيد ضد البلديات المعارضة
تأتي هذه التحذيرات في سياق حملة متواصلة تستهدف البلديات التي فازت بها المعارضة في الانتخابات المحلية لعام 2024، والتي حقق فيها حزب الشعب الجمهوري أفضل نتائجه منذ عقود.
ومنذ ذلك الحين، تعرض عشرات رؤساء البلديات لتحقيقات أو توقيفات أو قرارات عزل من مناصبهم. وتشير تقارير حديثة إلى أن عشرين رئيس بلدية من الحزب ما زالوا رهن الاحتجاز، فيما تم تعليق عمل خمسة وعشرين آخرين، بينهم إمام أوغلو.
كما جرى تعيين أوصياء حكوميين على بعض البلديات، أو نقل السيطرة عليها إلى حزب العدالة والتنمية الحاكم عبر تصويت المجالس البلدية أو انشقاقات داخلية أعقبت عزل رؤساء البلديات المنتخبين.
تحذيرات من مخالفة الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان
استندت الرسالة إلى تقرير صادر عام 2025 عن لجنة البندقية التابعة لمجلس أوروبا، والذي حذّر من أن احتجاز رؤساء البلديات المنتخبين دون توافق مع معايير الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان يمكن أن يؤدي إلى إضعاف الديمقراطية المحلية بشكل خطير.
ويعزز هذا الطرح سلسلة من المواقف القانونية الأوروبية التي تنتقد ممارسات مماثلة، ما يضع تركيا أمام ضغوط متزايدة للامتثال لالتزاماتها الدولية.
دعوة إلى التقدم الملموس
أكد الموقعون على استعدادهم لمواصلة الحوار مع أنقرة، معربين في الوقت ذاته عن رغبتهم في دعم تركيا للوفاء بالتزاماتها الديمقراطية، سواء كعضو في مجلس أوروبا أو كشريك استراتيجي للاتحاد الأوروبي.
واختتمت الرسالة بالتعبير عن أملها في تحقيق “تقدم ملموس ومستدام” في احترام المبادئ الديمقراطية، في إشارة إلى ضرورة ترجمة التعهدات إلى خطوات عملية.
أزمة ثقة متصاعدة
تعكس هذه الرسالة تحولًا في المزاج الأوروبي تجاه تركيا، من الاكتفاء ببيانات متفرقة إلى تنسيق مؤسسي جماعي يحمل طابعًا ضاغطًا. ويشير ذلك إلى تزايد القلق من أن التحولات الداخلية في تركيا لم تعد مجرد شأن داخلي، بل باتت تمس التزامات دولية أساسية.
كما تكشف التطورات عن أزمة ثقة عميقة بين الطرفين، خاصة في ظل التناقض بين الإطار القانوني الذي يفترض حماية الحريات، والممارسات التي تُتهم بتقويضها. ويبدو أن ملف البلديات المعارضة أصبح أحد أبرز ميادين هذا التوتر، نظرًا لارتباطه المباشر بإرادة الناخبين.

