انطلاقًا من تجربة ميدانية عاشها الباحث الإسلامي التركي أحمد كوروجان خلال زيارة إلى الهند في فبراير، تتبلور ملامح إشكالية عميقة تتعلق بعلاقة الفقه بالحياة. فالحوارات التي أجراها مع شباب مسلمين هناك، وما تبعها من مراجعة ملاحظاته اليومية، كشفت عن فجوة معرفية ومنهجية في فهم الفقه، لا تقتصر على بيئة بعينها، بل تمتد إلى المجال الإسلامي الأوسع.
يرى كوروجان أن الأسئلة التي طرحها الشباب، إلى جانب تساؤلاته هو حول بنية العقل الجمعي الإسلامي وأنماط التنظيم الديني، تعكس حالة من التذبذب بين “التصور” و”الواقع” في التعامل مع الفقه، وهي حالة تُنتج ارتباكًا في فهم الدين وتطبيقه.
الفقه بين “الواقعة” و”التصور”: خلط المفاهيم
يؤكد كوروجان أن الخلل الجوهري يكمن في الخلط بين “الواقعة” بوصفها تجربة تاريخية، و”التصور” باعتباره تأويلاً لهذه التجربة. فالكثير من المسلمين، عند استحضار الفقه، لا يتجهون إلى مبادئه وأصوله، بل إلى نتائجه التطبيقية في عصور سابقة، من فتاوى وأحكام وأنظمة حكم.
هذا الخلط يؤدي إلى استبدال الفقه كمنهج إنتاجي للأحكام، بمجرد أرشيف من الحلول الجاهزة، وهو ما يُفرغ الفقه من طبيعته الديناميكية، ويحوّله إلى كيان جامد لا يستجيب لتحولات الواقع.
الفقه كعملية لا كمنتج: مركزية الاجتهاد
في هذا السياق، يشدد كوروجان على أن الفقه في جوهره ليس “مخزونًا من الأحكام”، بل “عملية تفكير مستمرة”. فالاجتهاد، بحسب رؤيته، ليس حدثًا تاريخيًا منتهيًا، بل آلية دائمة ينبغي تفعيلها في كل زمان ومكان.
إن تحويل الأشكال التاريخية للاجتهاد إلى قواعد ثابتة يُفضي إلى تجميد الفقه، ويمنع تجديده. فالتجربة الفقهية التي نشأت في سياقات سياسية واقتصادية واجتماعية محددة، لا يمكن تعميمها بوصفها تمثيلًا نهائيًا للدين.
إشكالية التقديس: حين يتحول التاريخ إلى دين
يحذر كوروجان من النزعة التي تميل إلى مساواة التجربة التاريخية بالدين ذاته، معتبرًا أن هذا الخلط يُفضي إلى عزل الفقه عن الحياة. فالتجارب الفقهية، رغم أهميتها وقيمتها التعليمية، تبقى نتاجًا بشريًا مشروطًا بزمانه ومكانه.
وعندما تُقدّس هذه التجارب، يُفقد الفقه وظيفته كأداة إرشاد حية، ويتحول إلى “حارس للماضي” بدل أن يكون “مرشدًا للحاضر”.
تداعيات الخلل المنهجي: بين الرفض والتحايل
يُبرز كوروجان أن هذا الارتباك المفاهيمي يُنتج نتائج ملموسة في الواقع المعاصر، خاصة في مجالات مثل الملكية، والحريات، والعلاقة بين الدولة والمواطن، قوضايا المرأة، والنظام السياسي.
في هذا السياق، تظهر اتجاهات متباينة؛ أحدها يرفض الحداثة بالكامل بدعوى تعارضها مع الفقه، وآخر يلجأ إلى تأويلات متكلفة أو ما يُعرف بـ”الحيل الشرعية” للتوفيق بين الواقع والنصوص، وهو ما يعكس أزمة منهجية أكثر من كونه اجتهادًا حقيقيًا.
الفقه كجسر: ضرورة التوازن بين النص والواقع
يطرح كوروجان تصورًا بديلًا يرى فيه الفقه جسرًا بين الدين والحياة، وهو جسر لا يمكن بناؤه إلا باستحضار طرفيه معًا. فالنصوص الدينية تمثل الثابت، بينما يمثل الواقع المتغير مجال التطبيق.
إن تجاهل أحد الطرفين يُفقد الفقه توازنه؛ فالتشبث بالماضي دون اعتبار للتحولات الاجتماعية يُنتج فقهًا معزولًا، في حين أن الانفصال عن الأصول يُفقده مشروعيته.
حدود الثبات والتغير: تمييز ضروري
يوضح كوروجان أن الدعوة إلى تجديد الفقه لا تعني نفي ثوابته أو إلغاء إلزاميته. ففي مجال العبادات، يظل الفقه محافظًا على استقراره النسبي، نظرًا لطبيعة العلاقة المباشرة بين الإنسان وربه.
أما في مجالات المعاملات والعقوبات، فإن الحاجة إلى الاجتهاد تتجدد باستمرار، نظرًا لتغير البنى الاجتماعية والسياسية. كما يشير إلى أن سلطة الإلزام في هذه المجالات لم تعد كما كانت في النظم التقليدية، بل أصبحت محكومة بإطار العلاقة الفردية مع القيم الدينية.
نحو منهجية جديدة: بين الأصالة والمعاصرة
يدعو كوروجان إلى تطوير منهجيات فقهية جديدة، لا تنفصل عن الأصول، لكنها في الوقت ذاته لا تُقيد بقوالب الماضي. هذه المنهجيات، بحسب رؤيته، يجب أن تأخذ بعين الاعتبار منظومة القيم الحديثة، مثل حقوق الإنسان، وسيادة القانون، والمواطنة، والتعددية.
ويؤكد أن تجاهل هذه القيم لا يؤدي فقط إلى فشل الفقه في التفاعل مع الواقع، بل يُسهم أيضًا في إضعاف صورة الدين لدى الأجيال الجديدة، التي تبحث عن خطاب ديني قادر على التفاعل مع تحديات العصر.
استعادة الفقه لوظيفته الحيوية
يخلص كوروجان إلى أن التمييز بين الفقه كتفكير، والتجربة الفقهية كتطبيق، هو شرط أساسي لإعادة الفقه إلى موقعه الطبيعي في حياة المسلمين. فكل خطاب يُسقط الماضي على الحاضر دون تمحيص، يُسهم في “تأريخ الدين” بدل “تفعيل الدين”.
إن المهمة المطروحة اليوم، خاصة أمام النخب الفكرية، لا تكمن في تمجيد الماضي، بل في استثماره لإنتاج فهم جديد قادر على الاستجابة لأسئلة الحاضر. وبهذا فقط يمكن للفقه أن يستعيد دوره كأداة توجيه حية، لا كذاكرة جامدة.

