في ظل مناخ سياسي متوتر ومتغير، تكشف نتائج استطلاع رأي حديث أجرته شركة “كونديمار” للأبحاث في إسطنبول عن استمرار تقدم حزب المعارضة الرئيسي، حزب الشعب الجمهوري، على حساب الحزب الحاكم حزب العدالة والتنمية، في وقت يشهد فيه حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب، المحسوب على التيار الكردي، تراجعًا ملحوظًا في مستوى الدعم الشعبي.
الاستطلاع، الذي أُجري خلال الفترة بين 23 و26 آذار/مارس بمشاركة 2200 شخص، استند إلى سؤال افتراضي مباشر حول نوايا التصويت في حال إجراء انتخابات عامة فورية، مع إعادة توزيع أصوات المترددين والمقاطعين بشكل نسبي على الأحزاب.
توازنات القوة: المعارضة في الصدارة دون حسم
تشير النتائج إلى حصول حزب الشعب الجمهوري على نسبة 33.37%، محافظًا على موقعه كأكبر قوة سياسية في البلاد من حيث نوايا التصويت. في المقابل، جاء حزب العدالة والتنمية في المرتبة الثانية بنسبة 29.16%، ما يعكس استمرار الفجوة بين الطرفين، ولو ضمن هامش يمكن أن يتغير في حال تبدل الظروف السياسية.
أما حزب المساواة وديمقراطية الشعوب، فقد حل ثالثًا بنسبة 7.94%، متقدمًا على حلفاء السلطة، لكنه سجّل تراجعًا واضحًا مقارنة بالشهر السابق.
خريطة الأحزاب: صعود قومي وتشتت في الأطراف
في المرتبة التالية، جاء حزب الحركة القومية، الحليف الرئيسي للحكومة، بنسبة 6.30%، مسجلًا تحسنًا ملحوظًا. كما حقق حزب الجيد المعارض مكاسب ليصل إلى 5.49%.
وتقارب أداء الأحزاب القومية المتشددة، حيث حصل حزب النصر المعروف بخطابه المعادي للاجئين على 5.47%، فيما سجل حزب المفتاح 4.74%. أما حزب الرفاه من جديد ذو التوجه الإسلامي فقد حصل على 3.43%.
الأحزاب الصغيرة مجتمعة نالت 2.82%، بينما جاء حزب العمال التركي في ذيل القائمة بنسبة 1.28%.
اتجاهات التغير: مكاسب طفيفة وخسائر لافتة
عند مقارنة النتائج مع استطلاع شباط/فبراير، يتضح أن حزب الشعب الجمهوري عزز موقعه بزيادة طفيفة بلغت 0.65 نقطة مئوية، بينما تراجع حزب العدالة والتنمية بنحو 0.69 نقطة.
اللافت أكثر هو انخفاض دعم حزب المساواة وديمقراطية الشعوب بمقدار 0.89 نقطة، ما يعكس تحولات داخل القاعدة الكردية أو ترددًا سياسيًا في لحظة حساسة. في المقابل، سجل كل من حزب الحركة القومية وحزب الجيد زيادات ملحوظة قاربت نقطة مئوية لكل منهما.
سياق سياسي ضاغط: دعوات لانتخابات مبكرة وتصعيد قانوني
تأتي هذه النتائج في ظل تصاعد الدعوات من المعارضة لإجراء انتخابات مبكرة، مستندة إلى ما تعتبره تغيرًا في المزاج الشعبي وتراجعًا في شرعية الأداء الحكومي. وقد بدأت المعارضة بالفعل في رسم استراتيجيات تعتمد على أدوات برلمانية ومحلية للضغط باتجاه هذا الهدف.
في المقابل، تواجه المعارضة، وعلى رأسها حزب الشعب الجمهوري، ضغوطًا قانونية متزايدة منذ فوزها الكبير في الانتخابات البلدية لعام 2024، التي شكلت ضربة قوية لمعسكر الرئيس رجب طيب أردوغان.
فمنذ خريف 2024، تتعرض بلديات المعارضة لسلسلة تحقيقات تتعلق بالفساد والإرهاب، وهي اتهامات يرى منتقدو الحكومة أنها تحمل طابعًا سياسيًا يهدف إلى تقويض نفوذ المعارضة.
قيادات المعارضة تحت المجهر: سيناريوهات الاستهداف السياسي
داخل حزب الشعب الجمهوري، تتزايد المخاوف من توسع دائرة الاستهداف لتشمل شخصيات قيادية بارزة، مثل رئيس بلدية أنقرة منصور ياواش، الذي أعيد انتخابه بنسبة تجاوزت 60%، ويُنظر إليه كمرشح رئاسي محتمل.
كما يبرز اسم رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، الذي يقبع حاليًا خلف القضبان بعد توقيفه في 19 آذار/مارس، في خطوة فجّرت احتجاجات واسعة وأثارت اضطرابات في الأسواق المالية، ما زاد من المخاوف بشأن استقلالية القضاء ومستقبل التعددية السياسية.
العامل الكردي: تراجع انتخابي في لحظة تفاوضية حساسة
يتزامن تراجع حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب الكردي مع تطورات لافتة في مسار القضية الكردية، حيث دعا مؤسس حزب العمال الكردستاني، عبد الله أوجلان، إلى إيصال رؤيته مباشرة إلى الرأي العام التركي، معتبرًا أن العملية السياسية دخلت مرحلة حرجة.
وفي رسالة نقلت عقب زيارة له في السجن أواخر آذار/مارس، أعلن أوجلان أن مرحلة الكفاح المسلح قد انتهت، داعيًا إلى وضع إطار قانوني شامل يمهّد لمرحلة جديدة قائمة على الحلول السياسية.
هذا التحول يعكس انتقال النقاش من مسألة نزع السلاح إلى مطالب أعمق تتعلق بالضمانات القانونية والحقوق السياسية، بما في ذلك مقترحات لإطار برلماني يربط بين الإصلاحات الداخلية وتفكيك البنية المسلحة.
توترات مستمرة: بين مطالب الإصلاح والقبضة الأمنية
رغم هذه المؤشرات، لا تزال التوترات قائمة، حيث شهدت احتفالات عيد نوروز دعوات صريحة من القوى الكردية لاتخاذ خطوات ديمقراطية ملموسة، مثل تنفيذ أحكام المحاكم العليا ووقف عزل رؤساء البلديات المنتخبين.
في المقابل، نفذت السلطات عمليات توقيف طالت عشرات الأشخاص على خلفية اتهامات بالدعاية لصالح حزب العمال الكردستاني، ما يعكس استمرار المقاربة الأمنية بالتوازي مع المسار السياسي.

