في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وما رافقها من اضطرابات في تدفقات النفط عبر مضيق هرمز عقب الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران في أواخر شباط/فبراير، تعود مسألة أمن الطاقة لتتصدر المشهد الاقتصادي العالمي. وفي هذا السياق، يسلّط تقرير حديث صادر عن وكالة ستاندرد آند بورز غلوبال للتصنيفات الائتمانية الضوء على مدى هشاشة اقتصادات أوروبا الوسطى والشرقية، مع وضع تركيا في صدارة الدول الأكثر عرضة للتأثر في حال استمرار ارتفاع أسعار النفط لفترة طويلة.
سيناريوهان متباينان: بين احتواء الصدمة وانفجارها
يعتمد تقييم الوكالة على مسارين محتملين لأسعار النفط العالمية. في السيناريو الأساسي، حيث يُتوقع أن يبلغ متوسط سعر خام برنت نحو 80 دولارًا خلال عام 2026 قبل أن يتراجع إلى 65 دولارًا في العام التالي، ترى الوكالة أن التأثيرات السلبية على الجدارة الائتمانية للدول ستبقى ضمن حدود يمكن احتواؤها.
أما في السيناريو الضاغط، فتفترض الوكالة قفزة حادة في الأسعار، بحيث يصل متوسط النفط إلى 130 دولارًا في 2026 و98 دولارًا في 2027، وهو ما من شأنه أن يُحدث صدمة اقتصادية متعددة الأبعاد، تشمل تباطؤ النمو، واتساع عجز الحساب الجاري، وتزايد الضغوط على المالية العامة.
تركيا: اقتصاد مكشوف أمام تقلبات الطاقة
تُعد تركيا من أكثر الدول عرضة لتداعيات هذا السيناريو، ليس فقط بسبب اعتمادها الكبير على واردات الطاقة، بل أيضًا نتيجة تداخل هذه الصدمة مع اختلالات اقتصادية داخلية قائمة. إذ تستورد أنقرة أكثر من 70% من احتياجاتها من الطاقة الأولية، ما يجعلها رهينة مباشرة لتحركات الأسعار العالمية.
وترى الوكالة أن أي ارتفاع مستدام في أسعار الطاقة قد يخلق “عاصفة كاملة” للاقتصاد التركي، حيث تتلاقى عدة عوامل سلبية في وقت واحد، تشمل ارتفاع التضخم، وتراجع الثقة بالليرة التركية، وضعف احتياطيات النقد الأجنبي لدى البنك المركزي، وهي عناصر تقيد بالفعل التصنيف الائتماني السيادي للبلاد.
انعكاسات مباشرة: تضخم متصاعد وعجز متفاقم
في تحديث لتوقعاتها الأساسية، رفعت الوكالة تقديراتها لمعدل التضخم في تركيا لعام 2026 إلى نحو 29.3%، مقارنة بتقديرات سابقة بلغت 23.6%، ما يعكس تسارع الضغوط السعرية. كما توقعت اتساع عجز الحساب الجاري إلى 3.1% من الناتج المحلي الإجمالي، بدلًا من 1.6%، في حين أبقت على توقعاتها لعجز الميزانية العامة عند 3.6%.
في المقابل، وتحت سيناريو الصدمة، تتفاقم الصورة بشكل أكثر حدة، إذ يُتوقع أن يصل التضخم إلى 35%، مع اتساع عجز الحساب الجاري إلى 4.4% من الناتج، وتباطؤ النمو الاقتصادي إلى 2.5% فقط، ما يشير إلى دخول الاقتصاد في مرحلة تباطؤ تضخمي معقدة.
نقطة الضعف الأساسية: ميزان المدفوعات والعملة
يشكل ميزان المدفوعات أحد أبرز نقاط الضعف في الاقتصاد التركي في ظل صدمات الطاقة. فارتفاع فاتورة الواردات النفطية يؤدي مباشرة إلى زيادة الضغط على العملة المحلية، ويعمّق الحاجة إلى التمويل الخارجي، في وقت تعاني فيه البلاد أصلًا من تآكل الثقة بالليرة ومحدودية الاحتياطيات الأجنبية الصافية.
هذه المعادلة تجعل الاقتصاد التركي أكثر حساسية لأي صدمات خارجية، خاصة في ظل بيئة مالية عالمية تتسم بارتفاع أسعار الفائدة وتشدد شروط التمويل.
مقارنة إقليمية: تفاوت في القدرة على امتصاص الصدمة
لا تقتصر تداعيات صدمة النفط على تركيا وحدها، إذ تشمل أيضًا اقتصادات مثل المجر وسلوفاكيا، غير أن درجة التأثر تختلف باختلاف البنية الاقتصادية ومصادر الطاقة. ففي حين تتمتع دول مثل التشيك وبولندا بهوامش أمان أكبر بفضل أوضاع مالية وخارجية أكثر توازنًا، تستفيد رومانيا من إنتاجها المحلي للطاقة، كما أن اعتماد بولندا الكبير على الفحم يخفف نسبيًا من أثر ارتفاع أسعار النفط.
لكن الوكالة تحذر من أن أي ارتفاع موازٍ في أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا، خاصة إذا اقترب من مستويات الذروة المسجلة في عام 2022، قد يوسع نطاق التأثيرات السلبية ليشمل معظم دول المنطقة، مع ضغوط إضافية على التصنيفات الائتمانية.
السياق الجيوسياسي: عامل مضاعف للمخاطر
تأتي هذه التوقعات في لحظة تتسم بتقلبات جيوسياسية حادة، حيث أدت التوترات العسكرية في الشرق الأوسط إلى اضطراب سلاسل الإمداد ورفع أسعار الطاقة عالميًا. ويُخشى أن يؤدي استمرار هذه التوترات أو اتساعها إلى ترسيخ بيئة أسعار مرتفعة، ما يعمّق التحديات أمام الاقتصادات المستوردة للطاقة، وفي مقدمتها تركيا.

