لم يعد التصعيد بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، مجرد أزمة إقليمية قابلة للاحتواء، بل تحول إلى اختبار فعلي لشكل النظام الدولي الذي يتبلور تدريجياً. فمع تصاعد منطق الردع المتبادل، واتساع نطاق الاشتباك ليشمل ممرات الطاقة العالمية، أصبحت تداعيات الصراع تمتد إلى ما هو أبعد من الشرق الأوسط، لتطال الاقتصاد العالمي وتوازنات القوى الكبرى.
في هذا السياق، يرى الدبلوماسي التركي السابق عمر مراد أن هذا التصعيد يعكس انتقال العالم من مرحلة الهيمنة الأحادية إلى حالة سيولة استراتيجية، حيث تتداخل الحسابات العسكرية مع الاقتصادية، وتغيب الضمانات التقليدية التي كانت تضبط إيقاع الأزمات.
استراتيجية حافة الهاوية: ترامب أمام اختبار غير مسبوق
يتموضع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في قلب هذه الأزمة، معتمداً على سياسة “حافة الهاوية” القائمة على التصعيد المدروس لفرض تنازلات. غير أن هذه المقاربة، التي وُصفت سابقاً بالتراجع التكتيكي، تواجه هذه المرة خصماً مختلفاً يتمتع بقدرة عالية على الصمود والمناورة.
وبحسب تقدير عمر مراد، فإن المواجهة مع إيران تضع الإدارة الأميركية أمام خيارين كلاهما مكلف: إما التراجع بما يحمله من تداعيات على صورة الردع الأميركي، أو الانزلاق نحو تصعيد عسكري واسع قد يتطور إلى تدخل بري، وهو سيناريو بالغ الخطورة.
مضيق هرمز: ورقة إيران الاستراتيجية في معركة الطاقة
أحد أخطر أبعاد الأزمة يتمثل في سيطرة إيران المتزايدة على مضيق هرمز، الشريان الحيوي لتدفق النفط العالمي. تشير تقارير عسكرية إلى نشر ألغام بحرية، ما يعزز قدرة طهران على تعطيل الملاحة.
ويرى عمر مراد أن أي عملية عسكرية واسعة في هذا الممر قد تؤدي إلى شلل طويل الأمد، نظراً لتعقيد عمليات إزالة الألغام، الأمر الذي قد يستغرق شهوراً، ويؤدي إلى اضطراب كبير في أسواق الطاقة العالمية، مع ارتفاع حاد في الأسعار وتفاقم الضغوط التضخمية.
اتساع نطاق التهديد: استهداف بدائل الطاقة في الخليج
لم تقتصر التحركات الإيرانية على مضيق هرمز، بل امتدت إلى استهداف البنية التحتية للطاقة في الخليج، بما في ذلك خطوط أنابيب بديلة في الإمارات. هذه الهجمات، وفق تحليل عمر مراد، تكشف هشاشة منظومة الإمدادات العالمية، وتؤكد أن أي محاولة للالتفاف على هرمز لا توفر حصانة حقيقية.
هذا التهديد المتعدد المسارات يضاعف من احتمالات انتقال الأزمة إلى أزمة طاقة عالمية، بما يحمله ذلك من تداعيات على الاقتصادات الهشة.
تركيا بين الخطاب الشعبوي والبراغماتية السياسية
في خضم هذا المشهد المعقد، تتبنى أنقرة سياسة مزدوجة. فمن جهة، يستخدم الرئيس رجب طيب أردوغان خطاباً حاداً تجاه إسرائيل لإرضاء الرأي العام الداخلي، ومن جهة أخرى يتجنب توجيه انتقادات مباشرة للولايات المتحدة.
ويفسر عمر مراد هذا التوازن بأنه ضرورة سياسية، مدفوعة بنتائج استطلاعات الرأي التي تشير إلى تفضيل غالبية الأتراك الحياد، إلى جانب اعتبارات استراتيجية أعمق تتعلق بعلاقة أنقرة بواشنطن.
قضية بنك خلق: ورقة الضغط الأميركية الحاسمة
تشكل قضية بنك “خلق” التركي أحد أبرز عناصر الضغط على أنقرة. القضية، المرتبطة بخرق العقوبات على إيران، تحولت إلى ملف سياسي حساس يطال مقربين من أردوغان.
وبحسب عمر مراد، فإن مؤشرات التقدم نحو تسوية مع وزارة العدل الأميركية، عبر آلية “تأجيل الملاحقة القضائية”، تعكس رغبة متبادلة في تجنب التصعيد، لكنها في الوقت نفسه تمنح واشنطن نفوذاً كبيراً على القرار التركي.
هذا الواقع يفسر حرص أردوغان على الحفاظ على علاقة إيجابية مع ترامب، باعتبارها مدخلاً لضمان مخرج آمن من هذه الأزمة القانونية.
الاقتصاد التركي: هشاشة متزايدة واعتماد على “الأموال الساخنة”
على الصعيد الاقتصادي، تواجه تركيا تحديات حادة تفاقمت مع اندلاع الحرب. فقد اضطر البنك المركزي إلى ضخ عشرات المليارات من الدولارات لدعم الليرة، في ظل تراجع الاحتياطيات.
لقاء أردوغان مع لورنس فينك، رئيس شركة بلاك روك، يعكس توجهاً واضحاً نحو استقطاب رؤوس الأموال الغربية. ويؤكد عمر مراد أن هذا التوجه يكشف عن اعتماد متزايد على تدفقات مالية سريعة التقلب، ما يجعل الاقتصاد التركي عرضة للصدمات الجيوسياسية.
إعادة تشكيل التحالفات: تركيا بين الغرب ومحاور جديدة
تتجه تركيا اقتصادياً نحو الغرب، رغم محاولتها الحفاظ على استقلالية سياسية. في المقابل، تشارك في مشاورات إقليمية مع السعودية ومصر وباكستان لتشكيل توازن مقابل لإيران.
ويرى عمر مراد أن هذا المسار يعكس إدراكاً متزايداً لتراجع المظلة الأمنية الأميركية، خاصة مع تصاعد الشكوك لدى دول الخليج بشأن قدرة واشنطن على حمايتها من الرد الإيراني.
كما أن انخراط باكستان، بما تمتلكه من قدرات نووية، يضيف بعداً ردعياً مهماً، لكنه في الوقت ذاته يزيد من تعقيد المشهد الإقليمي.
سيناريو التصعيد: ضغوط متزايدة على أنقرة
في حال انتقال الولايات المتحدة إلى تدخل بري، ستجد تركيا نفسها أمام اختبار حاسم. فقد ألمح ترامب إلى إمكانية استخدام قواعد عسكرية في دول حليفة دون موافقة صريحة، ما قد يضع أنقرة أمام واقع مفروض.
ويحذر عمر مراد من أن أي انحياز واضح لواشنطن قد يثير ردود فعل داخلية قوية، في حين أن رفض التعاون قد يؤدي إلى توتر حاد في العلاقات مع الولايات المتحدة.
خلاصة المشهد: هامش المناورة يتآكل
تؤكد التطورات أن السياسة التركية القائمة على التوازن بين الأطراف لم تعد قابلة للاستمرار لفترة طويلة. فمع تسارع وتيرة الاستقطاب الدولي، يتقلص هامش المناورة أمام أنقرة.
وبحسب تقييم عمر مراد، فإن تركيا تقترب من لحظة الحسم، حيث سيكون عليها تحديد موقعها بوضوح ضمن نظام دولي يتجه نحو مزيد من الاستقطاب.

