في مقال بموقع “بولد” الإخباري التركي، يرى الصحفي والباحث التركي آدم سنمان أن حلف شمال الأطلسي يمرّ بمرحلة غير مسبوقة من الاضطراب البنيوي، حيث لم يعد ذلك الكيان المتماسك الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية، بل بات أقرب إلى إطار فضفاض تحكمه المصالح المتغيرة أكثر من الالتزامات الاستراتيجية الثابتة.
ويستند هذا التقييم إلى تصاعد الخطاب النقدي داخل الدوائر الغربية، خاصة بعد توصيف الحلف في مجلة “فورين بوليسي” الأمريكية بأنه “تحالف زومبي”، في إشارة إلى بقائه شكليًا رغم تآكل وظائفه الحيوية.
هذا التوصيف لا يعكس مجرد رأي إعلامي، بل يعبر عن واقع تتزايد فيه الانقسامات الداخلية، وتتراجع فيه قدرة الحلف على اتخاذ قرارات جماعية فعالة، خصوصًا في ظل تضارب أولويات أعضائه.
التصدعات الداخلية: أزمات متلاحقة تقوّض الثقة
يؤكد سنمان أن السنوات الأخيرة، وخاصة منذ عودة دونالد ترامب إلى السلطة، شهدت سلسلة من الأزمات التي ضربت جوهر الثقة داخل الحلف.
فقد فرضت واشنطن ضغوطًا غير مسبوقة على حلفائها لرفع الإنفاق الدفاعي إلى مستويات مرتفعة، ما حوّل مفهوم “الدفاع المشترك” إلى عملية تفاوضية قائمة على المقايضة. كما أدت سياسات مثل فرض الرسوم الجمركية، والتدخل في الشؤون السياسية الأوروبية، إلى تعميق الفجوة بين ضفتي الأطلسي.
ومن أبرز مظاهر هذا التصدع طرح أفكار تمس سيادة دول حليفة، مثل محاولة شراء أو ضم غرينلاند، وتراجع مستوى التمثيل الأمريكي في اجتماعات الحلف، بما يعكس فتورًا مؤسسيًا واضحًا، وتوتر في تبادل المعلومات الاستخباراتية نتيجة تآكل الثقة السياسية، إضافة إلى إعادة تعريف “الحلفاء” وفق اعتبارات أيديولوجية، عبر التقارب مع تيارات يمينية أوروبية.
عملية “Epic Fury”: نقطة الانكسار الكبرى
يشير سنمان إلى أن الضربة الأكثر قسوة لوحدة الناتو جاءت مع عملية “الغضب الملحمي”، التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران مطلع عام 2026.
هذه العملية كشفت حدود التضامن داخل الحلف، حيث اتخذ القرار دون تشاور مع الحلفاء، مما دفع دولا أوروبية كبرى إلى رفض المشاركة العسكرية، وامتناع بريطانيا عن اعتبار العملية ضمن مهام الناتو. واليوم اندلعت أزمة طاقة حادة بعد إغلاق مضيق هرمز، ما أثقل كاهل الاقتصاد الأوروبي.
وقد أدى ذلك إلى انقسام فعلي داخل الحلف، وتبادل اتهامات علنية بين واشنطن وشركائها الأوروبيين، وهو ما اعتبره سنمان لحظة فاصلة في تاريخ التحالف.
إعادة تشكيل الأولويات: تعزيز الجناح الشرقي رغم الانقسام
على الرغم من هذه الانقسامات، لم يتوقف الناتو عن إعادة تموضعه العسكري، بل اتجه نحو تعزيز الجناح الشرقي في مواجهة روسيا والصين.
في هذا السياق، برزت تركيا كعنصر محوري، حيث يجري العمل على إنشاء فيلق متعدد الجنسيات في أضنة تحت اسم MNC-TUR (Multinational Corps – Turkey)، يُتوقع اكتماله بحلول عام 2028.
ويهدف هذا التشكيل إلى سد الفجوة الدفاعية في الجناح الجنوبي للحلف، وتعزيز الردع في البحر المتوسط والبحر الأسود، وتوسيع نطاق العمليات ليشمل القوقاز وشمال أفريقيا.
وقد أوكلت أنقرة إلى قيادة الفيلق السادس مهمة احتضان هذا المشروع، مع توقع تولي جنرال تركي قيادته، ما يعكس ثقة متزايدة في القدرات العسكرية التركية.
جدل داخل الحلف: هل تتكدس القوة في تركيا؟
يثير هذا التوسع العسكري في تركيا تساؤلات داخل الناتو، خاصة وأن أنقرة تستضيف بالفعل مراكز قيادة مهمة في إسطنبول وإزمير، إضافة إلى امتلاكها ثاني أكبر جيش في الحلف.
ويرى سنمان أن هذا التركيز قد يخلق اختلالًا في توزيع الأدوار، ويدفع إلى إعادة التفكير في مبررات إنشاء مقرات إضافية، رغم الحاجة العملياتية المعلنة.
البحر الأسود واتفاقية مونترو: توتر محتمل مع روسيا
من التطورات اللافتة أيضًا خطط إنشاء قيادة بحرية للناتو في مضيق البوسفور، وهو ما قد يعيد الجدل حول اتفاقية مونترو الخاصة بالمضائق التركية.
ويحذر سنمان من أن روسيا ستنظر إلى هذه الخطوة كتهديد مباشر، خاصة في ظل حساسية التوازنات في البحر الأسود، ما قد يفتح الباب أمام تصعيد جديد في المنطقة.
تركيا بين الغرب والشرق: استراتيجية التوازن الذكي
يؤكد سنمان أن تركيا تتبنى استراتيجية متعددة الأبعاد، تسعى من خلالها إلى الحفاظ على عضويتها في الناتو، مع توسيع هامش حركتها عبر شراكات بديلة.
فعلى الصعيد الغربي تعززت العلاقات مع بريطانيا، خاصة بعد صفقة طائرات يوروفايتر تايفون، وشهدت العلاقات مع الولايات المتحدة انفراجًا نسبيًا عبر اتفاقيات الطاقة والغاز المسال.
أما على الصعيد غير الغربي فتعمل أنقرة على تطوير شراكات مع دول مثل باكستان والسعودية، وتستثمر في صناعاتها الدفاعية، خاصة الطائرات المسيرة وأنظمة الصواريخ، لتتحول إلى مصدر للسلاح بدلًا من مستورد.
أوروبا بعد المظلة الأمريكية: البحث عن بدائل
يرى سنمان أن تراجع الالتزام الأمريكي بأمن أوروبا دفع القارة إلى التفكير بجدية في بناء منظومة دفاعية مستقلة، وهو ما تناولته تحليلات مجلة “فورين أفيرز”.
وتقود فرنسا وبريطانيا جهودًا لإعادة تشكيل البنية الدفاعية الأوروبية، إلا أن هذه المساعي تصطدم بعقبات سياسية، أبرزها الخلافات داخل الاتحاد الأوروبي، والتوترات مع تركيا، خاصة بسبب اليونان وقبرص، واستبعاد أنقرة من بعض مشاريع الدفاع المشتركة.
ومع ذلك، تبقى تركيا عنصرًا لا يمكن تجاوزه في أي تصور أمني أوروبي، نظرًا لموقعها الجغرافي وقدراتها العسكرية.
نظام دولي جديد: نهاية التحالفات التقليدية
يخلص سنمان إلى أن العالم يتجه نحو نموذج جديد من التحالفات، يقوم على المرونة والمصالح المتغيرة بدلًا من الالتزامات الثابتة.
في هذا السياق يتراجع دور الناتو كتحالف شامل، وتظهر تكتلات إقليمية محدودة، وتصبح القوة الذاتية لكل دولة العامل الحاسم في أمنها. وتسعى تركيا إلى التموضع في قلب هذا النظام، مستفيدة من موقعها الاستراتيجي وقدراتها المتنامية، لكنها تبقى معرضة لضغوط متزايدة من القوى الكبرى، ما يجعل توازنها الدقيق عرضة للاهتزاز.

