في ظل اتساع رقعة المواجهة الإقليمية التي اندلعت عقب الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير، برزت على منصات التواصل الاجتماعي مزاعم تشير إلى احتمال انضمام تركيا إلى الحرب إلى جانب طهران أو إرسال قوات إلى لبنان. هذه المزاعم، التي لاقت انتشارًا واسعًا، دفعت أنقرة إلى التحرك سريعًا لنفيها بشكل قاطع.
موقف رسمي حازم: لا تدخل عسكري
أصدر مركز مكافحة التضليل الإعلامي التابع للرئاسة التركية بيانًا رسميًا أكد فيه أن الادعاءات حول انخراط تركيا عسكريًا في النزاع أو تدخلها في لبنان “عارية عن الصحة”. وشدد البيان على أن الحكومة بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان تلتزم منذ اندلاع الأزمة بخيار التهدئة، وتعمل على وقف الهجمات ومنع توسع دائرة القتال، مع الدفع نحو تسوية مستدامة.
كما وصف البيان هذه الادعاءات بأنها جزء من “حرب نفسية” تستهدف تشويه صورة تركيا وتقويض دورها الذي تصفه أنقرة بـ”البنّاء” في إدارة الأزمة.
دبلوماسية نشطة في الكواليس
في مقابل نفي الانخراط العسكري، تكشف المعطيات عن دور دبلوماسي تركي متصاعد؛ فقد أشارت تقارير إلى أن مسؤولين أتراك يضطلعون بوساطة غير مباشرة عبر نقل رسائل بين الولايات المتحدة وإيران، في محاولة لاحتواء التصعيد. كما شارك وزير الخارجية هاكان فيدان في مسارات دبلوماسية مرتبطة بمحادثات جرت في باكستان، ضمن جهود إقليمية أوسع لخفض التوتر.
هذا الحراك يعكس سعي أنقرة للحفاظ على موقعها كوسيط إقليمي، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة نسبيًا مع أطراف متعارضة.
لبنان ساحة اشتعال موازية
بالتوازي مع ذلك، يتجه لبنان ليكون إحدى أبرز ساحات التصعيد في هذه الحرب المتشابكة، حيث تصاعدت وتيرة الغارات والاشتباكات في الأيام الأخيرة. هذا التطور يفسر جزئيًا تداول سيناريوهات تدخل قوى إقليمية، ومنها تركيا، رغم نفيها الرسمي.
انعكاسات أمنية مباشرة على تركيا
ورغم تأكيدها أنها ليست طرفًا في النزاع، لم تكن تركيا بمنأى عن تداعياته؛ فقد تم اعتراض ثلاثة صواريخ إيرانية عبر أنظمة الدفاع التابعة لحلف شمال الأطلسي فوق الأراضي التركية منذ بداية الحرب، ما أثار مخاوف داخلية من احتمال امتداد العمليات العسكرية إلى الداخل التركي.
كما أن الموقع الجغرافي الحساس لتركيا، وحدودها الطويلة مع إيران، يزيدان من احتمالات تعرضها لمخاطر أمنية غير مباشرة، في حال استمرار التصعيد.
بين الحياد الحذر والدور الوسيط
يرى مراقبون أن السياسة التركية الحالية تعكس مزيجًا من الحذر الاستراتيجي والطموح الدبلوماسي؛ فمن جهة، تحرص أنقرة على تجنب الانجرار إلى مواجهة عسكرية قد تكون مكلفة سياسيًا وأمنيًا، خاصة في ظل عضويتها في حلف الناتو وتعقيدات علاقاتها مع كل من واشنطن وطهران. ومن جهة أخرى، تسعى إلى توظيف الأزمة لتعزيز دورها كقوة إقليمية وسيطة قادرة على التواصل مع مختلف الأطراف.
ويستدرك محللون أن هذا التوازن يبقى هشًا، إذ إن استمرار العمليات العسكرية واتساع نطاقها قد يضع تركيا أمام خيارات أكثر صعوبة، خصوصًا إذا ما تكررت حوادث سقوط الصواريخ أو تصاعد التوتر على حدودها.

