في تحليل موسّع ينسب للكاتب والباحث الأكاديمي التركي أيدوغان وطنداش، تبدو السياسة الأمريكية تجاه إيران وكأنها تتحرك بين خطاب النصر العلني وواقع ميداني أكثر تعقيدًا، يشي بانزلاق تدريجي نحو مواجهة طويلة ومكلفة، تتجاوز الحسابات العسكرية التقليدية إلى أبعاد سياسية واقتصادية أعمق.
تصعيد عسكري متزامن مع دبلوماسية قسرية
يرى وطنداش أن المؤشرات الميدانية تعكس استعدادًا أمريكيًا لانخراط ممتد، يتجلى في نشر وحدات من الفرقة 82 المحمولة جوًا، وإبقاء عشرات الآلاف من الجنود ومشاة البحرية في حالة تأهب لاحتمال تنفيذ عمليات برية، إلى جانب تداول خطط للسيطرة على نقاط استراتيجية مثل مضيق هرمز وجزيرة خرج.
ورغم هذا الحشد العسكري، تستمر قنوات التفاوض بالتوازي، ما يعكس – بحسب التحليل – تصعيدًا في نهج “القوة أولًا ثم التفاوض”. ويبرز هذا التوجه في تصريحات رسمية تؤكد أن التفاوض يمكن أن يُدار تحت وقع الضربات، في إشارة إلى تداخل غير مسبوق بين العمل العسكري والدبلوماسي.
اختلال ميزان التفاوض لصالح طهران
أحد أبرز مظاهر هذا التناقض، وفق وطنداش، يتمثل في قبول واشنطن بشروط إيرانية غير اعتيادية على مستوى التمثيل التفاوضي. فقد رفضت طهران شخصيات تفاوضية أمريكية سابقة، وأصرت على التعامل مع نائب الرئيس جيه دي فانس، وهو ما وافقت عليه الولايات المتحدة.
هذا التطور يُعد خروجًا عن الأعراف الدبلوماسية، حيث يفترض أن الطرف المتفوق عسكريًا هو من يفرض شروط التفاوض. غير أن الحالة الراهنة، كما يوضح التحليل، تكشف انتقالًا من مرحلة فرض الشروط إلى مرحلة التكيّف معها.
ويعزز هذا التوجه فقدان الثقة الإيراني، إذ تستحضر طهران تجارب سابقة رأت فيها أن المسارات الدبلوماسية استُخدمت كغطاء لعمليات عسكرية لاحقة، ما يدفعها إلى إعادة ضبط قواعد التفاوض وفق رؤيتها الخاصة.
البعد الداخلي: ضغط سياسي يقيّد القرار
على الصعيد الداخلي، يلفت وطنداش إلى هشاشة الدعم الشعبي في الولايات المتحدة، رغم إعلان دونالد ترامب تحقيق “النصر”. إذ تشير المعطيات إلى تدني نسب التأييد، سواء للأداء العام أو للحرب نفسها، مقابل رغبة كاسحة لدى الرأي العام بإنهاء النزاع.
هذا الواقع يضع الإدارة الأمريكية تحت ضغط زمني مرتبط بالاستحقاقات الانتخابية، في حين لا تواجه إيران ضغوطًا مماثلة ضمن نظامها السياسي، ما يمنحها هامشًا أوسع للمناورة وكسب الوقت.
الطاقة كسلاح ضغط عالمي
يتجاوز الصراع، وفق التحليل، حدوده الثنائية ليؤثر على بنية الاقتصاد العالمي، خاصة مع المخاطر التي تهدد تدفقات النفط عبر مضيق هرمز. وقد حذرت شركات طاقة كبرى مثل Shell من احتمالات نقص في إمدادات الوقود، ما يعكس هشاشة سلاسل التوريد العالمية.
في المقابل، يشير وطنداش إلى تحولات في أنماط التجارة، منها استخدام العملة الصينية في تسويات النفط وفتح مسارات بديلة، وهو ما قد يضعف الهيمنة الأمريكية التقليدية على سوق الطاقة الدولية.
دروس العراق وأفغانستان: ذاكرة الاستنزاف
يستحضر التحليل تجارب حرب العراق والحرب في أفغانستان، حيث نجحت الولايات المتحدة في تحقيق تفوق عسكري سريع، لكنها واجهت لاحقًا أزمات ممتدة في إدارة ما بعد الصراع.
ويرى وطنداش أن إيران تختلف جذريًا عن هاتين الحالتين، نظرًا لحجمها وقدراتها التنظيمية ونفوذها الإقليمي، ما يعني أن أي انخراط بري محتمل قد يتحول إلى صراع متعدد الجبهات ذي طابع غير متماثل.
تحول في طبيعة الصراع
في ضوء هذه المعطيات، يخلص التحليل إلى أن المشهد الحالي يعكس تحوّلًا في بنية الصراع: عمليات عسكرية مستمرة، حشد ميداني متصاعد، وفي الوقت ذاته قبول بشروط تفاوضية يفرضها الخصم.
هذا التداخل، بحسب وطنداش، لا يعكس تفوقًا استراتيجيًا بقدر ما يشير إلى حالة من الإكراه السياسي، حيث تجد واشنطن نفسها مضطرة للموازنة بين التصعيد العسكري وتقديم تنازلات دبلوماسية.
خلاصة
يرى أيدوغان وطنداش أن الولايات المتحدة تقترب من نموذج استنزافي مشابه لتجارب سابقة، حيث لا يترجم التفوق العسكري إلى مكاسب سياسية حاسمة. السؤال لم يعد متعلقًا بإمكانية الحسم، بل بحجم الخسائر التي قد تتحملها واشنطن في مسار طويل ومعقد.

