بقلم: ياوز أجار
يدخل الشرق الأوسط مرحلة إعادة تعريف عميقة لمعادلات القوة، في ظل تداخل مشاريع إقليمية متنافسة لم تعد تقتصر على ثنائية النفوذ بين إسرائيل وإيران، بل شهدت خلال العقد الماضي بروز فاعل ثالث حاول أن يعيد صياغة المجالين الجغرافي والفكري للمنطقة: تركيا في ظل حكم رجب طيب أردوغان. غير أن التطورات المتسارعة، خاصة منذ عام 2022، دفعت هذا المشروع إلى مراجعات جوهرية، فتقاطعت مساراته مع التحولات السعودية، ما يفتح الباب أمام احتمال تشكّل معادلة إقليمية جديدة تتجاوز منطق الاستقطاب التقليدي.
المشاريع التوسعية:
إسرائيل: تفوق تقني برؤية جيوسياسية ممتدة
تستند الاستراتيجية الإسرائيلية إلى مزيج من التفوق العسكري والتحالف الوثيق مع الولايات المتحدة، ضمن تصور يتجاوز حدود 1967 ويجد جذوره في خطاب ديني–سياسي تتبناه قوى اليمين. وقد ترجمت هذه الرؤية عبر أدوات متعددة، تشمل الردع العسكري، والانفتاح الإقليمي من خلال اتفاقيات التطبيع، والسعي لتكريس واقع سياسي يُضعف مركزية القضية الفلسطينية.
ورغم النجاحات التكتيكية، أظهرت الحرب الأخيرة مع إيران حدود هذه المقاربة، إذ لم تتمكن القوة العسكرية وحدها من إنتاج استقرار مستدام، في ظل استمرار التوترات الداخلية واعتماد إسرائيل الكبير على المظلة الأمريكية.
إيران: شبكة نفوذ عابرة للحدود
في المقابل، اعتمدت إيران نموذجًا مختلفًا يقوم على التمدد عبر الفاعلين المحليين، مستندة إلى أيديولوجيا “تصدير الثورة” المرتبطة بنظرية ولاية الفقيه. وقد بنت طهران شبكة نفوذ واسعة في عدة ساحات عربية، مستفيدة من هشاشة الدول والصراعات الداخلية.
لكن هذا النموذج واجه تحديات متزايدة، سواء على المستوى الداخلي نتيجة الأزمات الاقتصادية والاحتجاجات، أو خارجيًا مع تراجع فاعلية الخطاب الطائفي، خاصة بعد التقارب مع السعودية في 2023. وجاءت الحرب الأخيرة لتكشف محدودية قدرة إيران على حشد جميع حلفائها في مواجهة مباشرة.
تركيا: من العثمنة الجديدة إلى الواقعية السياسية
خلال العقد الثاني من حكمه، سعى نظام أردوغان إلى تقديم تركيا كقوة ثالثة تنافس المشروعين الإسرائيلي والإيراني، عبر إحياء تصور “العثمنة الجديدة” الذي يجمع بين البعد التاريخي والنفوذ الجيوسياسي. وقد انعكس ذلك في سياسات نشطة في سوريا وليبيا وشرق المتوسط، ومحاولات لإعادة صياغة المجال الإقليمي فكريًا وسياسيًا.
غير أن هذا التوجه اصطدم بجملة من القيود البنيوية. فمن جهة، لم تتمكن الفكرة من التحول إلى مشروع إقليمي متماسك يحظى بقبول واسع، خاصة في العالم العربي الذي نظر بعين الريبة إلى أي استدعاء للإرث العثماني. ومن جهة أخرى، واجه الاقتصاد التركي ضغوطًا متزايدة، ما حدّ من قدرة أنقرة على الاستمرار في سياسة التوسع المكلفة.
بحلول عام 2022، بدأت ملامح التحول تظهر بوضوح، حيث اتجهت تركيا نحو إعادة ضبط سياستها الخارجية، فبادرت إلى تحسين علاقاتها مع السعودية والإمارات ومصر. هذا التحول يمكن قراءته كمزيج من البراغماتية والضرورة، سواء كان نابعًا من مراجعة داخلية أو استجابة لضغوط اقتصادية وسياسية.
المقاربة السعودية: بناء التوازن بدل التوسع
في الوقت الذي تراجعت فيه المشاريع ذات الطابع التوسعي، برزت السعودية كفاعل يسعى إلى صياغة مقاربة مختلفة تقوم على إعادة التوازن الإقليمي من خلال أدوات سياسية واقتصادية.
ترميم النظام العربي
عملت الرياض على تقليص الانقسامات العربية، عبر إعادة دمج سوريا في النظام العربي، وتكثيف التنسيق الإقليمي. كما عززت من حضورها الدبلوماسي عبر مبادرات جماعية تهدف إلى ضبط التصعيد الإقليمي.
التحالف مع مصر: قاعدة الاستقرار
يشكل التقارب السعودي–المصري محورًا أساسيًا في هذه الرؤية، حيث يجمع بين ثقل ديموغرافي وعسكري واقتصادي كبير. وقد تعزز هذا التحالف عبر تنسيق سياسي وعسكري متزايد، إلى جانب دعم اقتصادي سعودي للقاهرة، ما يرسخ دور البلدين كركيزة للاستقرار الإقليمي.
الاقتصاد كأداة نفوذ
تعتمد السعودية على مشاريع التكامل الاقتصادي، مثل الربط الكهربائي وتوسيع الاستثمارات، كوسيلة لبناء شبكة مصالح مشتركة تقلل من فرص الصراع، في انسجام مع أهداف رؤية 2030 التي تتلخص بشكل أساسي في تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على الإيرادات النفطية.
تنويع الشراكات
كما أن الرياض انتهجت سياسة تنويع الشراكات الدولية، فحافظت على تحالفها التقليدي مع الولايات المتحدة، وعززت في الوقت ذاته تعاونها الاستراتيجي مع الصين، إلى جانب تطوير علاقاتها مع روسيا ضمن إطار “أوبك+”، والتقارب مع تركيا، بما يتيح لها توظيف شبكة مصالح متعددة دون رهن قرارها لأي طرف دولي بعينه.
التقاطع التركي–العربي: نحو براغماتية مشتركة
إن التحول في السياسة التركية بعد 2022، بالتوازي مع الصعود النسبي للدور السعودي–المصري، خلق أرضية جديدة للتقارب. فتركيا التي أعادت حساباتها، والسعودية التي تتبنى نهجًا توازنيًا، ومصر التي تحافظ على موقعها المركزي، باتت جميعها تميل إلى مقاربة تقوم على تقليل التوترات وتعظيم المصالح الاقتصادية.
هذا التقاطع لا يلغي التباينات، لكنه يعكس إدراكًا مشتركًا لحدود المشاريع الأيديولوجية، ولتكلفة الصراعات المفتوحة في بيئة دولية متغيرة.
سيناريو المحور الثالث: فرصة لإعادة صياغة المنطقة
في ضوء هذه التحولات، يبرز احتمال تبلور محور إقليمي جديد يرتكز على تركيا بما تمثله من امتداد نحو الفضاء التركي في آسيا الوسطى، والسعودية بوصفها مركز الثقل الخليجي والعربي، ومصر باعتبارها ركيزة الاستقرار في المشرق وامتدادًا طبيعيًا نحو أفريقيا، وذلك كبديل محتمل لمنطق الاستقطاب القائم بين إسرائيل وإيران.
فإذا نجحت هذه الدول في تطوير علاقاتها إلى مستوى شراكة استراتيجية، فإن ذلك قد يفضي إلى تعزيز الاستقرار الإقليمي عبر تقليص مساحات النفوذ غير المباشر، وإعادة توجيه الموارد نحو التنمية الاقتصادية بدل الصراعات، وبناء توازن قوى إقليمي يقلل من الاعتماد على القوى الخارجية، وإحياء دور العالم العربي وتركيا كمركز ثقل اقتصادي وجيوسياسي.
في هذا السيناريو، لا يكون الهدف إنشاء مشروع توسعي جديد، بل تأسيس منظومة تعاون إقليمي قائمة على المصالح المشتركة، وهو ما قد يجعل المنطقة أكثر أمنًا وازدهارًا. لكن الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى تضع هذه المحاولة أمام اختبار صعب.
وفي حال تعثر هذا المسار، سواء بسبب استمرار الصراعات أو فشل بناء الثقة، فإن المنطقة قد تعود إلى دائرة الاستقطاب التقليدي، مع ما يحمله ذلك من مخاطر عدم الاستقرار.
خلاصة
تُظهر التحولات الأخيرة أن مشاريع الهيمنة تواجه حدودها، بينما تبرز الحاجة إلى نماذج توازن جديدة أكثر واقعية. وقد يشكل التقارب بين تركيا والسعودية ومصر نواة لمحور إقليمي قادر على إعادة صياغة مستقبل المنطقة على أسس أكثر استقرارًا وازدهارًا.

