شهدت مدينة ملبورن حدثاً لافتاً تمثّل في افتتاح مسجد “قباء” رسمياً أمام المصلين، بعد عقد كامل من العمل المتواصل الذي قاده متطوعون من “حركة الخدمة”.
وقد افتُتح المسجد بأداء أول صلاة جمعة، إيذاناً ببدء مرحلة جديدة من الحضور الديني والاجتماعي للمسلمين في ولاية فيكتوريا.
من الفكرة إلى الإنجاز: مشروع بُني على روح “الهجرة”
انطلقت فكرة بناء المسجد قبل نحو عشر سنوات، مستلهمةً رمزيتها من أول مسجد شيّده النبي محمد ﷺ في المدينة المنورة، وهو مسجد قباء. وقد أُطلق عليه الاسم ذاته تعبيراً عن استمرارية المعنى الروحي المرتبط بالهجرة والبدايات المؤسسة للمجتمع الإسلامي.
المشروع لم يكن مجرد بناء معماري، بل ثمرة جهد جماعي شارك فيه مهاجرون ومتطوعون ومتبرعون من أبناء الجالية المسلمة في أستراليا، حيث تم تمويله بالكامل من موارد محلية، ما يعكس تماسك المجتمع وقدرته على بناء مؤسساته ذاتياً.
معمار عثماني وحضور لافت في أفق أوقيانوسيا
يتميّز المسجد بتصميم مستوحى من العمارة العثمانية، حيث تتجلّى الزخارف الداخلية، وفنون الخط العربي، واستخدام المواد التقليدية في تفاصيله المعمارية. ويضم المسجد قاعة صلاة تتسع لنحو 1500 مصلٍّ، موزعة على طابقين مخصصين للرجال والنساء.
أبرز ما يلفت النظر هو المئذنتان التوأم بارتفاع 36 متراً، واللتان تُعدّان من الأعلى في منطقة أوقيانوسيا، ما يمنح المسجد حضوراً بصرياً مميزاً في محيطه الجغرافي. كما أن موقعه على طريق هيوم السريع، الرابط بين ملبورن وسيدني، يضفي عليه أهمية إضافية من حيث سهولة الوصول وانتشاره الرمزي.
سابقة دينية في أستراليا: الأذان يُرفع علناً
في سابقة لافتة على مستوى أستراليا، سيُرفع الأذان من مآذن المسجد بشكل علني خمس مرات يومياً، مستفيداً من كونه يقع خارج نطاق المناطق السكنية، وهو ما يتيح استخدام مكبرات الصوت دون قيود بلدية، في وقت تُمنع فيه هذه الممارسة في معظم المساجد داخل الأحياء السكنية.
هذا التطور يمنح الجالية المسلمة بُعداً جديداً من الحضور الديني العلني، ويعكس درجة من التكيف القانوني والاجتماعي مع البيئة الأسترالية.
دور مؤسسي مستمر: “سليمية” وتعزيز الحضور المجتمعي
يقف خلف هذا المشروع أيضاً مؤسسة “سليمية” التابعة لحركة الخدمة، التي تنشط منذ أكثر من ثلاثة عقود في مجالات التعليم والثقافة في ولاية فيكتوريا. ومن المتوقع أن يشكّل المسجد امتداداً لهذا الدور، عبر تقديم خدمات دينية وتعليمية متكاملة للمجتمع المسلم.
المسجد كمركز حياة: من العبادة إلى البناء الاجتماعي
في كلمته خلال افتتاح المسجد، شدّد الدكتور والباحث الإسلامي عمر آتيلا أرجي على أن بناء المساجد لا يقتصر على أداء الشعائر، بل يتجاوز ذلك ليشكّل فضاءً اجتماعياً وثقافياً يعيد إنتاج القيم الإسلامية في الحياة اليومية.

وأشار إلى أن المسجد يمثل بيئة لتجديد الإيمان وتعزيز الروابط المجتمعية، مستحضراً النموذج النبوي في المدينة المنورة، حيث كان المسجد مركزاً للتعليم، والإدارة، والتكافل الاجتماعي.
كما لفت إلى أن بناء المسجد في شهر ربيع الأول يحمل دلالة رمزية، تتقاطع مع توقيت تأسيس مسجد قباء في التاريخ الإسلامي، ما يضفي على الحدث بعداً روحياً إضافياً.
صوت الأذان الأول: لحظة جامعة للجالية
مع رفع الأذان الأول من مئذنتي المسجد بصوت الإمام إبراهيم كارايسلي، توافد المصلون بأعداد كبيرة، في مشهد عكس شوق الجالية إلى فضاء جامع يعزز حضورها الديني.
وفي خطبته، استعاد الإمام دلالات بناء المسجد في السيرة النبوية، مؤكداً أن تأسيس المساجد كان دائماً الخطوة الأولى في بناء المجتمع الإسلامي، لما تمثله من مركزية في الحياة الروحية والاجتماعية.
نحو مجمع متكامل: التعليم والثقافة في قلب المشروع
لا يقتصر المشروع على المسجد وحده، بل يتجه ليكون مجمعاً متكاملاً يضم ISRA (Islamic Sciences and Research Academy)، إلى جانب مرافق خدمية وثقافية تشمل مساحات للأنشطة الاجتماعية وحدائق ومرافق ضيافة.
ومن المتوقع أن يتحول الموقع، مع اكتمال مراحله، إلى مركز تفاعلي يجمع بين العبادة والتعليم والتواصل المجتمعي، على غرار نموذج مجمع مسجد “نظامية” في جنوب أفريقيا، الذي أنشأته حركة الخدمة، والذي يُعد من أبرز المجمعات الإسلامية خارج العالم الإسلامي.
موقع استراتيجي ورمزية عابرة للحدود
يقع المسجد ضمن حدود بلدية “هيوم”، في منطقة استراتيجية تربط بين أكبر مدينتين في أستراليا. هذا الموقع لا يمنحه فقط أهمية لوجستية، بل يعزز أيضاً رمزيته كمحطة دينية وثقافية للمسلمين العابرين والمقيمين على حد سواء.
خلاصة
يمثل افتتاح مسجد “قباء” في ملبورن محطة بارزة في تطور الحضور الإسلامي في أستراليا، جامعاً بين البعد الروحي والدور المجتمعي. كما يعكس المشروع قدرة الجاليات المسلمة على بناء مؤسسات مستدامة تعزز هويتها وتفاعلها الإيجابي مع محيطها.

