تشهد السجون في تركيا تطوراً لافتاً في حجم نزلائها، يترافق مع ظاهرة إنسانية حساسة تتمثل في تزايد عدد الأطفال الذين يعيشون داخل المؤسسات العقابية برفقة أمهاتهم، في ظل ضغوط متفاقمة على البنية التحتية للسجون.
أطفال في بيئة احتجاز: أرقام تكشف واقعاً معقداً
أظهر تقرير حديث صادر عن جمعية المجتمع المدني في النظام العقابي أن مئات الأطفال دون سن السادسة يقيمون داخل السجون مع أمهاتهم. وقد ارتفع عددهم إلى 891 طفلاً حتى شهر مارس، مقارنة بـ 822 طفلاً في الفترة نفسها من العام السابق، ما يعكس اتجاهاً تصاعدياً مستمراً.
ولا يقتصر الأمر على الأطفال الصغار، إذ يشير التقرير إلى وجود 4,524 قاصراً تتراوح أعمارهم بين 12 و18 عاماً داخل مراكز احتجاز الأحداث، من بينهم 216 فتاة، ما يسلط الضوء على اتساع نطاق احتجاز القاصرين في البلاد.
انفجار في أعداد السجناء: بنية تحتية تحت الضغط
بلغ إجمالي عدد السجناء في تركيا 412,991 نزيلاً، وهو رقم يتجاوز الطاقة الاستيعابية الرسمية للسجون بنسبة 35 بالمئة، في مؤشر واضح على أزمة اكتظاظ حادة. ويُعد هذا الرقم تتويجاً لمسار تصاعدي طويل، حيث تضاعف عدد السجناء سبع مرات منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم عام 2002.
كما تُظهر البيانات أن عدد النساء داخل السجون بلغ 19,728 سجينة، في حين يوجد 476 سجيناً من ذوي الإعاقة، تشمل إعاقات بصرية وسمعية وحركية ونطقية. أما كبار السن، فقد وصل عدد السجناء الذين تزيد أعمارهم عن 65 عاماً إلى 6,572 شخصاً.
وعلى مستوى الوضع القانوني، فإن 348,735 سجيناً يقضون أحكاماً قضائية، مقابل 64,256 محتجزاً على ذمة المحاكمة، ما يعكس استمرار الاعتماد على الحبس الاحتياطي على نطاق واسع.
تركيا في صدارة أوروبا: نمو غير مسبوق في عدد السجناء
وفق تقرير صادر عن مجلس أوروبا عام 2023، تتصدر تركيا الدول الأوروبية من حيث عدد السجناء، بعد أن شهدت زيادة بنسبة 439 بالمئة في عدد نزلاء السجون بين عامي 2005 و2023، وهي أعلى نسبة نمو مسجلة في القارة.
هذا الارتفاع دفع السلطات إلى توسيع شبكة السجون بشكل متسارع، حيث من المتوقع افتتاح تسعة سجون جديدة خلال عام 2026، وخمسة أخرى في 2027، وسجنين إضافيين في 2028، ليرتفع العدد الإجمالي إلى 424 سجناً بحلول نهاية ذلك العام.
ما بعد 2016: سياق سياسي يعيد تشكيل المشهد
شهدت أعداد الأطفال الذين يعيشون مع أمهاتهم في السجون ارتفاعاً حاداً عقب محاولة الانقلاب الغامضة في تركيا 2016، إذ تم توقيف آلاف النساء على خلفية اتهامات بالارتباط بـ”حركة كولن”.
ويقود الرئيس رجب طيب أردوغان حملة مستمرة ضد هذه الحركة منذ تحقيقات الفساد التي اندلعت في ديسمبر 2013، والتي طالت مقربين منه. وقد صنّفت الحكومة الحركة كمنظمة إرهابية في مايو 2016، قبل أن تتصاعد الحملة الأمنية بشكل واسع عقب محاولة الانقلاب التي تتهم أنقرة الحركة بتدبيرها، وهو ما تنفيه الحركة بشكل قاطع.
معايير دولية وقوانين محلية: فجوة بين النص والتطبيق
تنص قواعد بانكوك، التي اعتمدتها الأمم المتحدة عام 2010، على ضرورة توفير معاملة خاصة للنساء الحوامل والأمهات داخل السجون، مع التأكيد على أن الأطفال المقيمين مع أمهاتهم لا ينبغي معاملتهم كسجناء، بل يجب إخضاعهم لرعاية متخصصة.
في المقابل، ينص القانون الجنائي التركي، وتحديداً المادة 16، على تأجيل تنفيذ العقوبة بحق النساء الحوامل أو اللواتي وضعن أطفالهن حديثاً، كما يؤكد خبراء قانونيون أن توقيف النساء الحوامل أو الأمهات لأطفال دون ستة أشهر يجب أن يكون مستحيلاً من الناحية القانونية.
كما يولي المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان اهتماماً خاصاً بحماية الأطفال، ويمتد هذا الاهتمام في بعض الحالات إلى الأجنة.
تقارير حقوقية: اتهامات بسوء المعاملة والانتهاكات
رغم هذه الأطر القانونية، تشير تقارير حقوقية إلى تعرض نساء محتجزات لسوء المعاملة والتعذيب داخل مراكز الاحتجاز، وذلك في سياق حملة أوسع تستهدف المعارضين والمشتبه بهم. ومن بين هذه التقارير دراسة صادرة عام 2017 عن مركز ستوكهولم للحرية، والتي وصفت ما يجري بأنه حملة ممنهجة من الترهيب والاضطهاد.
دور المجتمع المدني: الدفاع عن الكرامة الإنسانية
تعمل جمعية المجتمع المدني في النظام العقابي، التي تأسست في إسطنبول عام 2006، على رصد أوضاع السجون والدفاع عن حقوق السجناء، مع التركيز على ضمان توافق السياسات العقابية في تركيا مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، والحفاظ على الكرامة الإنسانية داخل أماكن الاحتجاز.
خلاصة
تُظهر المعطيات أن أزمة السجون في تركيا لم تعد مسألة أعداد فحسب، بل تحوّلت إلى قضية إنسانية معقدة تمس الأطفال والنساء والفئات الهشة. كما تكشف الفجوة بين القوانين والمعايير من جهة، والتطبيق الفعلي من جهة أخرى، عن تحديات بنيوية عميقة في منظومة العدالة والاحتجاز.

