أصدرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان حكمًا جديدًا يدين تركيا على خلفية انتهاكات ارتُكبت خلال احتجاجات غيزي عام 2013، مؤكدة أن استخدام القوة ضد متظاهرة سلمية شكّل خرقًا صريحًا للمعايير الأوروبية في حماية الحقوق الأساسية.
تفاصيل الواقعة: لحظة تحولت إلى رمز عالمي
تعود القضية إلى الثامن والعشرين من أيار/مايو 2013، عندما قامت الشرطة التركية بتفريق اعتصام سلمي في حديقة غيزي بمنطقة تقسيم في إسطنبول. وخلال التدخل الأمني، أقدم أحد عناصر شرطة مكافحة الشغب على رش الغاز المسيل للدموع مباشرة في وجه جيدا سونغور من مسافة قريبة، رغم عدم إبدائها أي سلوك عنيف.
كانت سونغور، وهي أكاديمية آنذاك في جامعة إسطنبول التقنية، تشارك في الاحتجاج رفضًا لمشروع عمراني أثار جدلاً واسعًا، كونه يهدد واحدة من آخر المساحات الخضراء في المدينة.
اللحظة التي وثقها المصور عثمان أورصال انتشرت بسرعة على وسائل الإعلام العالمية ومنصات التواصل، لتتحول صورة “المرأة ذات الفستان الأحمر” إلى أحد أبرز رموز الاحتجاجات.
توصيف قانوني: انتهاك لحظر المعاملة اللاإنسانية
في حكمها الصادر ضمن قضية “سونغور ضد تركيا”، خلصت المحكمة إلى أن ما جرى يشكل انتهاكًا للمادة الثالثة من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، التي تحظر التعذيب والمعاملة اللاإنسانية أو المهينة.
ورأت المحكمة أن استخدام الغاز بهذه الطريقة كان غير متناسب إطلاقًا مع سلوك متظاهرة سلمية، كما اعتبرت أن السلطات التركية أخفقت في ضمان محاسبة فعالة ورادعة بحق المسؤول.
مسار قضائي داخلي مثير للجدل
على الصعيد الداخلي، خضع الشرطي، الذي عُرّف بالأحرف الأولى (F.Z.)، لإجراءات تأديبية انتهت بتوجيه إنذار فقط. لاحقًا، أصدرت محكمة تركية حكمًا بسجنه لمدة عشرة أشهر بتهمة الإيذاء المتعمد، إلا أن العقوبة لم تُنفذ، إذ جرى تعليقها واستبدالها بتدابير بديلة، شملت زراعة 300 شجرة.
وبعد تنفيذ هذه الشروط، أُغلقت القضية، ما دفع سونغور إلى الطعن، معتبرة أن العقوبة تفتقر إلى أي أثر ردعي. غير أن المحكمة الدستورية التركية أقرت عام 2019 بكفاية العقوبة ورفضت وجود انتهاك.
تقييم أوروبي مغاير: العقوبة غير رادعة
خلافًا للموقف التركي، شددت المحكمة الأوروبية على أن الإجراءات المتخذة بحق الشرطي لم ترقَ إلى مستوى الردع المطلوب، ولم تفِ بالتزام الدولة في التحقيق الفعال ومعاقبة سوء المعاملة من قبل أجهزة إنفاذ القانون.
وبناءً على ذلك، قضت بإلزام تركيا بدفع تعويضات لسونغور بقيمة 6500 يورو عن الأضرار المعنوية، إضافة إلى 5400 يورو لتغطية النفقات القانونية.
سونغور: رمز لم ترغب به لكنه حرّك الشارع
رغم تحولها إلى أيقونة للاحتجاجات، أعربت سونغور في تصريحات لاحقة عن عدم ارتياحها لوصفها بـ”وجه” حراك غيزي، مؤكدة أن آلاف المتظاهرين تعرضوا للعنف ذاته، من غاز مسيل للدموع وخراطيم المياه خلال ثلاثة أسابيع من الاضطرابات.
ومع ذلك، أقرت بأن انتشار صورتها ساهم في تشجيع مزيد من المواطنين على الانضمام إلى الاحتجاجات. وتعيش سونغور حاليًا في باريس.
سياق أوسع: أحكام متكررة وانتقادات مستمرة
يأتي هذا الحكم ضمن سلسلة قرارات صادرة عن المحكمة الأوروبية تنتقد تعامل السلطات التركية مع احتجاجات غيزي، لا سيما ما يتعلق باستخدام القوة المفرطة وغياب آليات المساءلة الفعالة.
وقد بدأت احتجاجات غيزي كاعتصام بيئي محدود رفضًا لمشروع تطوير عمراني، قبل أن تتحول سريعًا إلى موجة احتجاجات واسعة على مستوى البلاد، استهدفت سياسات حكومة رئيس الوزراء آنذاك والرئيس الحالي رجب طيب أردوغان.
وأسفرت حملة القمع التي رافقت تلك الاحتجاجات عن مقتل 11 شخصًا وإصابة الآلاف، ما جعلها واحدة من أبرز محطات التوتر السياسي في تاريخ تركيا الحديث.
خلاصة
حكم المحكمة الأوروبية يعيد تسليط الضوء على إخفاق تركيا في محاسبة انتهاكات الشرطة خلال احتجاجات غيزي. القضية تؤكد استمرار الفجوة بين القضاء التركي والمعايير الأوروبية في قضايا استخدام القوة.

