تتواصل زيارة البابا ليو الرابع عشر إلى تركيا في محطة توصف بأنها لاهوتية ورمزية وسياسية في آن واحد، إذ يشارك رأس الكنيسة الكاثوليكية والزعيم الروحي للمسيحيين الأرثوذكس في إحياء مرور سبعة عشر قرناً على انعقاد مجمع نيقية الأول، أحد أبرز المجامع التي صاغت الأسس العقدية للمسيحية وبلورت صياغة مبكرة لبيان الإيمان المسيحي.
وتأتي هذه المناسبة في ظل تزايد الانقسام داخل العالم الأرثوذكسي، وتصاعد حساسيات الجغرافيا الدينية بين موسكو والقسطنطينية.
لقاء رفيع بين البابا وأردوغان في أنقرة
استهل البابا رحلته التي تمتد أربعة أيام بالوصول إلى العاصمة أنقرة، حيث عقد لقاءً مع الرئيس رجب طيب إردوغان. وخلال المحادثات، دعا البابا القيادة التركية إلى تعزيز موقع البلاد كجسر دبلوماسي في عالم يشهد توترات واسعة، مؤكداً أن تركيا تستطيع أن تكون جسراً للاستقرار ووسيطاً في نزاعات تزداد تعقيداً.
ويشير مراقبون إلى أن الرسالة البابوية تتقاطع مع رغبة أنقرة في استعادة مكانة “الوسيط الإقليمي”، في وقت تواجه فيه تركيا اختبارات سياسية ودبلوماسية في ملفات الشرق الأوسط والبحر الأسود والبلقان.
واستُقبل البابا في مجمع الرئاسة بمراسم رسمية شهدت استعراضاً عسكرياً وسط إجراءات أمنية مشددة أدت إلى إخلاء الشوارع على طول مسار موكبه، في مشهد يعكس حساسية الزيارة في بلد يغلب عليه الطابع الإسلامي ويضم أقلية مسيحية صغيرة تقارب مئة ألف شخص فقط.
تركيا… أرض تتقاطع فيها الذاكرة المسيحية والتعدد الروحي
أكد البابا، خلال خطابه في أنقرة، أن هذه الجغرافيا ترتبط جذرياً بالبدايات الأولى للمسيحية، وأنها تحمل دعوة رمزية لأبناء الديانات الإبراهيمية لتعميق ثقافة التآخي والاعتراف المتبادل بالاختلاف. وبعد انتهاء زيارته الرسمية في العاصمة، انتقل إلىإسطنبول حيث سيقيم حتى يوم الأحد قبل أن يغادر إلى لبنان.
نيقية… احتفال بمجمع شكّل ملامح الإيمان المسيحي
من المقرر أن يزور البابا مدينة إزنيق للاحتفال بالذكرى التاريخية لمجمع نيقية الأول الذي انعقد في القرن الرابع الميلادي، وهو المجمع الذي ساهم في صياغة بيان الإيمان المسيحي المعتمد حتى اليوم في الكنائس الكبرى.
وجاءت الدعوة من بطريرك القسطنطينية برثلماوس الأول، الذي يستضيف قداساً مسكونياً مطلاً على بقايا كنيسة قديمة شُيّدت فوق موقع انعقاد ذلك المجمع.
ويرى مراقبون أن مشاركة البابا في هذا الحدث تحمل دلالات تتجاوز الطابع الطقسي، إذ تؤكد رغبة الطرفين في إظهار وحدة رمزية رغم استمرار الخلافات العقائدية التي تعود إلى الانشقاق الكبير في القرن الحادي عشر.
العلاقات الكاثوليكية ـ الأرثوذكسية… بين الحوار والشرخ
على الرغم من الانقسام العقائدي بين الكنيستين الغربية والشرقية، يواصل الجانبان الحوار بهدف ردم الهوة، بما في ذلك السعي إلى توحيد تاريخ الاحتفال بعيد الفصح، حيث تتّبع الكنيسة الكاثوليكية التقويم الغريغوري، بينما تعتمد الكنائس الأرثوذكسية التقويم اليولياني.
ويشرح معلقون أن هذه الجهود باتت أكثر إلحاحاً في ضوء التحولات الجيوسياسية التي أعادت رسم علاقات موسكو بالحاضرة الأرثوذكسية في القسطنطينية، خاصة منذ ضمّ روسيا شبه جزيرة القرم عام 2014 والحرب المستمرة في أوكرانيا.
الحرب في أوكرانيا تسرّع الشرخ بين موسكو والقسطنطينية
يعيش العالم الأرثوذكسي اليوم لحظة انقسام غير مسبوقة، بعد اعتراف بطريركية القسطنطينية باستقلال الكنيسة الأوكرانية عن موسكو عام 2018، ما دفع الكنيسة الروسية إلى قطع العلاقات مع برثلماوس في خطوة وُصفت بأنها “أكبر تصدع كنسي منذ قرون”.
وفي هذا السياق، لم يُدع بطريرك موسكو كيريل إلى الاحتفال في إزنيق، ما يضع البابا في موقف حساس، إذ يسعى لتجنب أي خطوة يمكن أن يفسرها الروس على أنها تعزيز لسلطة القسطنطينية على حساب مكانتهم الروحية التقليدية.
وتشير مصادر إلى أن الفاتيكان يتحرك بحذر شديد لمنع تحميل الزيارة بعداً سياسياً ضد روسيا، خصوصاً أن موسكو تخشى من توظيف أي تقارب كاثوليكي ـ قسطنطيني في إعادة رسم النفوذ داخل العالم الأرثوذكسي.
خلفية تاريخية للزيارات البابوية إلى تركيا
تُعد زيارة البابا ليو الرابع عشر الخامسة من نوعها لرأس الكنيسة الكاثوليكية إلى تركيا، بعد زيارات سابقة قام بها البابا بول السادس في الستينيات، ويليه يوحنا بولس الثاني في أواخر السبعينيات، ثم بنديكت السادس عشر خلال عام 2006، ثم زيارة البابا فرنسيس في 2014.
وتفيد تقارير أن كل زيارة حملت رسائل مرتبطة بطبيعة اللحظة الدولية؛ إلا أن زيارة البابا الحالي تتقاطع مع سياق مضطرب يشهد تصاعداً للحروب، وانقسامات كنسية، وإعادة رسم توازنات الشرق الأوسط.

