أعلن وزير الداخلية التركي علي يرليكايا عن تفكيك شبكة تزوير رقمية متقدمة اخترقت منظومة الحكومة الإلكترونية باستخدام تواقيع إلكترونية مستنسخة، وأسفرت التحقيقات التي بدأت مطلع عام 2024 عن اعتقال 37 مشتبهًا بهم، فيما لا تزال تداعيات الفضيحة تتردد في المؤسسات التركية.
وبحسب المعلومات الرسمية، فإن الشبكة قامت بتزوير وثائق رسمية حساسة من بينها شهادات جامعية ورخص قيادة وسجلات أكاديمية، مستخدمة تواقيع إلكترونية مقرصنة تعود إلى مسؤولين حكوميين رفيعي المستوى، وهو ما مكن المنتفعين من شغل وظائف أكاديمية أو التعيين في القطاع العام دون استحقاق.
تفاصيل التحقيق: عمليتان متزامنتان وانتشار جغرافي واسع
توزعت العملية الأمنية على مرحلتين رئيسيتين. بدأت المرحلة الأولى في 7 يناير 2025 وشملت 23 ولاية، حيث تم توقيف 126 شخصًا. أما المرحلة الثانية فقد نُفذت في 23 مايو، واستهدفت 16 ولاية أخرى، وأسفرت عن توقيف 61 شخصًا إضافيًا. وفي وقت لاحق، تم احتجاز 10 مشتبهين آخرين، ليصل العدد الإجمالي إلى 197، بينهم 37 تم إيداعهم السجن على ذمة المحاكمة، بينما أُطلق سراح الباقين تحت الرقابة القضائية.
العقل المدبر: ضياء قدير أوغلو يعود إلى الواجهة
يتمحور التحقيق حول مجموعة أساسية مكوّنة من 35 شخصًا، بقيادة ضياء قدير أوغلو، الذي سبق أن خضع للمحاكمة في فضيحة تسريب أسئلة الامتحانات العامة في تركيا خلال العقد الماضي. وتشير لائحة الاتهام إلى أن قدير أوغلو تعاون مع موظفين في شركتي إصدار الشهادات الإلكترونيةTÜRKTRUST وE-İMZATR، لاختراق أنظمة التحقق من الهوية وإنشاء تواقيع إلكترونية مزيفة مرتبطة بمسؤولين حكوميين.
واستُخدمت هذه التواقيع لاختراق أنظمة حكومية حساسة، بما في ذلك مجلس التعليم العالي (YÖK)، ووزارة التربية، وهيئة تقنيات المعلومات والاتصالات (BTK)، بالإضافة إلى 14 جامعة على الأقل.
الوثائق المزيفة بالأرقام: شهادات وجوازات ونتائج امتحانات
صرّح يرليكايا بأن السلطات عثرت على:
- 57 شهادة جامعية مزورة
- 108 رخص قيادة مزيفة
- 4 شهادات ثانوية عامة مفبركة
وصف الوزير الشبكة بأنها “جماعة إجرامية منظمة تم تفكيكها بالكامل”.
المقر الرئيسي في قلب أنقرة: أكاديمية وهمية تدير عمليات التزوير
أظهرت التحقيقات أن الشبكة اتخذت من حي “أولوس” في العاصمة أنقرة مقرًا لها، حيث أنشأت مؤسسة تعليمية وهمية تُدعى “Tuzem Akademi”. وبحسب شهادة المتهم محيي الدين ياكيشر، الذي أُلقي القبض عليه ضمن العملية، كانت المؤسسة مزوّدة بخوادم حاسوبية وغرف اجتماعات، وتعمل كمركز لإنتاج الوثائق المزيفة.
ياكيشر، المعروف للشرطة في أضنة كمتورط في تجارة المخدرات، لا يحمل أي مؤهل علمي، لكنه زوّر شهادة من جامعة غازي، وانتحل صفة ضابط كبير في قسم مكافحة المخدرات في الشرطة، باستخدام توقيعات إلكترونية مزورة تعود لرؤساء دوائر في جامعتي إيجه وكهرمان مرعش، إضافة إلى مسؤولين في هيئة تقنيات المعلومات والاتصالات وشركة Turkcell.
وجوه بارزة في دائرة الاتهام: من أحفاد السلاطين إلى نواب البرلمان
من بين الأسماء المدرجة في لائحة الاتهام:
- عبد الحميد قايهان عثمان أوغلو، أحد أحفاد السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، تم تسجيله زورًا كخريج من جامعة إنونو.
- فولكان أوجاك، منظّف سجاد سابق من أضنة، استخدم شهادات مزورة من جامعة إيجه لمزاولة مهنة الطب النفسي، وكان يتقاضى 4500 ليرة تركية (110 دولار ) للجلسة الواحدة، وشارك كخبير في برامج تلفزيونية.
- ليڤنت أويصال، نائب في البرلمان عن حزب الحركة القومية (MHP)، اتُّهم بالحصول على شهادة مزورة، بحسب الصحفي فاتح إرجين، دون أن يصدر أي تعليق رسمي منه.
تزوير نتائج امتحانات رسمية: نجاح غير المستحقين
أشارت التحقيقات إلى أن بعض المتورطين لجأوا إلى تزوير نتائج امتحانات قيادة السيارات، حيث رُصدت حالة لطالب حصل على 8 من أصل 100، لكنه سُجّل زورًا كناجح بدرجة 70. كما يُعتقد أن شبكة قدير أوغلو زوّرت امتحانات قضائية، بما في ذلك اختبارات مجلس القضاة والمدعين العامين (HSK)، ما يشير إلى إمكانية أن يكون بعض القضاة الحاليين استفادوا من خدمات الشبكة لتزوير نتائجهم.
الادعاء العام يوجه لائحة اتهام ثقيلة ويحدد موعد المحاكمة
وجّه مكتب المدعي العام في أنقرة تهمًا لـ199 شخصًا، شملت الدخول غير المصرح به إلى أنظمة معلوماتية، وتزوير وثائق رسمية، والحصول غير المشروع على بيانات شخصية، وخرق قانون التوقيع الإلكتروني التركي.
وطالب الادعاء بأحكام سجن تتراوح بين 5 و50 عامًا للمتهمين. وقد حُددت أولى جلسات المحاكمة في12 سبتمبر 2025 أمام الغرفة الجزائية الثالثة والعشرين في أنقرة.

