أدوار الأسرة في مهب التغيير
في المجتمعات الحديثة، ومع تنوع الأدوار التي يؤديها الأفراد وتشابكها، باتت الأسرة تواجه اختبارات جديدة تهدد استقرارها وسعادتها. ولعل من أبرز هذه التحديات ما يعرف بـ”صراع الأدوار” داخل الكيان العائلي، مما يؤثر سلبًا على ديمومة الزواج واستقراره.
أولا: طبيعة صراع الأدوار
عند الحديث عن صراع الأدوار، لا نقصد فقط انقلاب التصرفات الطبيعية؛ كأن يغدو الرجل أنثويّ الطبع، أو تتصرف المرأة برجولة مفرطة، رغم أن هذا الخلل ذاته يشكل جزءًا من المشكلة في عصرنا. فحينما يختلّ توزيع الأدوار بين الرجل والمرأة، ويبتعد كل منهما عن فطرته التي خُلق عليها، ينعكس ذلك اضطرابًا في توازن الأسرة.
ففي كثير من الحالات، تتحول المرأة إلى شخصية مسيطرة قوية حينما يغيب الرجل عن أداء دوره الحقيقي كرب للأسرة، أو حينما يفتقد إلى الجدية والاجتهاد في توفير مستلزمات العيش. وعلى الجانب الآخر، تشير دراسات علمية حديثة إلى أن التحولات الهرمونية الناتجة عن أنماط الغذاء غير الصحية تؤثر على التوازن الطبيعي بين الطابعين الذكوري والأنثوي، مما يساهم في المزيد من اختلال الأدوار.
ثانيا: جوهر المشكلة.. ضعف دور الزوج والزوجة
غير أن ما نريد التركيز عليه في إطار هذا التقرير الصحفي بصورة أعمق هو صراع من نوع آخر: التداخل والخلط بين أدوار الزوجين الأساسية داخل البيت، لا سيما بين دور الزوج كـ”كائن أبوي” ودوره كـ”شريك حياة”، وبين دور الزوجة كـ”أم” ودورها كـ”رفيقة عمر”.
قد يكون الرجل أبا مثاليا، مجتهدًا في عمله، بارعًا في صيانة المنزل، لكنه في المقابل يعجز عن أن يكون زوجًا حنونًا وصديقًا حقيقيًا لشريكة حياته. وكذلك قد تكون المرأة أمًّا حنونًا وطباخة ماهرة ومدبرة منزلية متميزة، لكنها تقصّر في أداء دور الزوجة المحبة والرفيقة الداعمة.
كثير من الأزواج يتساءلون حائرين: “لماذا ترغب زوجتي بالطلاق رغم أنني لم أخنها وأجتهد في تأمين العيش الكريم؟”، غير مدركين أن الفشل في بناء علاقة عاطفية حقيقية يتجاوز مجرد الوفاء بواجبات الإنفاق.
والحال نفسه بالنسبة للزوجات؛ إذ تعتقد بعض النساء أن الاجتهاد في شؤون التنظيف والطهي ورعاية الأطفال يعفيهن من أداء دور الزوجة المحبة والمساندة، متجاهلات أن لكل دور متطلباته الخاصة التي لا تعوضها الجهود المبذولة في أدوار أخرى.
ثالثا: الجهد الزائد لا يعوض التقصير
إن التفوق في أداء دور واحد، مهما بلغ، لا يعوّض التقصير في دور آخر. فالتفاني في العمل أو النجاح في تربية الأبناء لا يغني عن الحاجة إلى شريك حياة حاضر عاطفيا ونفسيا. الأسرة كالمركبة؛ لا يكفي أن يكون محركها قويًا، بل لا بد من توفر بقية العناصر كالوقود، والإطارات، والمقود لضمان سيرها بأمان.
رابعا: إسقاط أدوار العمل على الأسرة
من أخطر ما تعانيه الأسر في عالمنا الشرقي أن بعض الأفراد ينقلون أدوارهم الخارجية إلى داخل البيت. فالطبيب، أو المدير، أو السياسي الناجح قد يحاول أن يدير أسرته بأسلوب هرمي متسلط كالذي يتبعه في عمله، متناسيا أن العلاقات الأسرية قائمة على الود والرحمة لا على أوامر العمل وإملاءاته.
وللأسف، في مجتمعات كتركيا وبعض دول الشرق الأوسط، يُعطى الاعتبار المفرط للمنصب الاجتماعي والمكانة الوظيفية في الزواج، مما يؤدي إلى إحداث فجوات بين الزوجين بسبب الفوارق الاقتصادية أو التعليمية.
على النقيض من ذلك، نجد أن المجتمعات الغربية تتجاوز كثيرًا هذه الحواجز الطبقية. فقد تتزوج أستاذة جامعية من عامل بسيط دون أن يشكل ذلك حرجًا أو عقبة في مسار حياتهما الزوجية، لأن تركيزهما ينصبّ على السلوك والتفاهم أكثر من الانشغال بالمكانة الاجتماعية أو المستوى المادي.
خامسا: رؤية تربوية أصيلة
يشير العلامة بديع الزمان سعيد النورسي إلى أن ما يحفظ توازن الأسرة هو الالتزام بالدور الطبيعي داخل البيت بعيدًا عن اعتبارات المقام الاجتماعي، قائلا: “مهما علا مقام الرجل أو المرأة في المجتمع، فإنه داخل الأسرة أب وأم وزوج وزوجة قبل كل شيء.”
إن تجاهل هذه الحقيقة قد يؤدي إلى تحويل البيت إلى ساحة صراع على النفوذ، بدلا من أن يكون واحة للسكينة والمودة.
خاتمة: نحو أسرة متوازنة ومستقرة
إن صراع الأدوار داخل الأسرة معضلة حقيقية تهدد تماسكها واستقرارها. وتجاوز هذه الإشكالية يبدأ بالوعي بأن لكل فرد أكثر من دور داخل الأسرة، ولكل دور متطلباته الخاصة التي يجب أداؤها بالحد الأدنى من الالتزام والتوازن.
تحقيق السعادة الأسرية لا يتحقق بالمبالغة في أداء دور واحد وإهمال أخرى، بل بالتكامل بين الأدوار كافة، ضمن علاقة يسودها الحب والتفاهم والاحترام المتبادل.

