تقدم حزب الابتكار التركي (YP) بدعوى قضائية لإبطال نتائج الاستفتاء الدستوري الذي جرى عام 2017، وأسفر عن الانتقال من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي التنفيذي الذي منح الرئيس رجب طيب أردوغان صلاحيات واسعة.
وبحسب ما أوردته النسخة التركية من شبكة يورونيوز، قدم الحزب التماسه إلى المحكمة المدنية الأولى في أنقرة، مستنداً إلى بطلان آلاف الأصوات غير المختومة التي استخدمت في عملية الاقتراع، إضافة إلى المغلفات غير المطابقة للمعايير القانونية.
رئيس الحزب، أوزتورك يلماز، أعلن الخطوة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مرفقاً وثائق الدعوى القضائية، مؤكداً أن القضية تستند إلى اتهامات باستخدام واسع النطاق لأصوات غير مختومة، ما يطعن في شرعية الاستفتاء الذي غيّر وجه النظام السياسي في البلاد.
خلفية قانونية ملتبسة
هذه الدعوى تأتي في ظل بيئة قضائية متوترة يشهدها المشهد السياسي التركي. ففي الأسابيع الأخيرة، أثارت محكمة مدنية في إسطنبول جدلاً واسعاً بعدما أبطلت نتائج مؤتمر الحزب الجمهوري الشعبي الإقليمي لعام 2023، وأقالت قيادته المنتخبة بما في ذلك رئيس الفرع أوزجور تشيليك، قبل أن تعيّن السياسي المخضرم غورسل تكين وصياً مؤقتاً.
هذا القرار اعتُبر من قبل المعارضة سابقة خطيرة قد تفتح الباب أمام الطعن ليس فقط في مؤتمرات الأحزاب، بل حتى في الاستحقاقات الانتخابية الوطنية مثل استفتاء 2017.
تحذيرات من فوضى قانونية
المخاوف من انفلات الإطار القانوني عبّر عنها سياسيون من مختلف الاتجاهات؛ فقد كتب النائب السابق عن حزب العدالة والتنمية شامل طيار أن السماح للمحاكم المدنية بالتدخل في شؤون انتخابية “يهدد الأمن القانوني ويفتح الباب للتشكيك في كل نتيجة انتخابية.”
وتساءل طيار في إشارة إلى استفتاء 2017: “ماذا سيحدث إذا قررت محكمة مدنية مستقبلاً إلغاء قرار اللجنة العليا للانتخابات بشأن قبول الأصوات غير المختومة قبل فرزها؟“
من جانبه، وصف نائب رئيس حزب الخير القومي المعارض هاكان شريف أولغون الحكم الصادر في إسطنبول بأنه محاولة لـ”هندسة السياسة عبر القضاء”، مؤكداً أن القرار يمهد الطريق للطعن في نتائج استفتاء 2017، وكاشفاً أن حزبه يستعد هو الآخر لرفع دعوى قضائية بهذا الخصوص.
تصعيد قضائي متزامن
التصعيد ضد الحزب الجمهوري بلغ ذروته قبيل جلسة مرتقبة في أنقرة منتصف سبتمبر، حيث تنظر محكمة مدنية في دعوى لإلغاء مؤتمر الحزب الوطني الذي أوصل أوزيل إلى زعامة الحزب في نوفمبر 2023. وفي حال صدور حكم سلبي، قد يُجرَّد أوزيل من رئاسته ويُعيَّن وصي لإدارة الحزب أو يُفرض عقد مؤتمر جديد.
وفي موازاة ذلك، يواجه الحزب ضغوطاً متزايدة بعد تقدمه في استطلاعات الرأي وتفوقه على حزب العدالة والتنمية الحاكم في أعقاب فوزه بالمدن الكبرى في الانتخابات المحلية عام 2024. وتشير تقارير حقوقية إلى أن نحو 15 رئيس بلدية من الحزب يقبعون في السجن بتهم تتعلق بالفساد أو الإرهاب، تصفها منظمات حقوق الإنسان بأنها اتهامات ذات دوافع سياسية.
إرث استفتاء 2017 والطعون المؤجلة
الاستفتاء الذي غيّر النظام السياسي في تركيا أُجري وسط جدل واسع؛ ففي يوم التصويت، اتخذت اللجنة العليا للانتخابات قراراً مثيراً للجدل بقبول المغلفات غير المختومة، ما أثار شكوكا جدية حول نزاهة النتائج.
في ذلك الوقت، طُلب من الحزب الجمهوري الطعن في النتيجة، إلا أنه امتنع عن ذلك. منظمة الأمن والتعاون في أوروبا (OSCE) انتقدت القرار، واعتبرت أنه “قوض ضمانة أساسية وتعارض مع القانون”، محذرة من أن الإجراء يفتح الباب أمام التلاعب ويفقد النتائج مصداقيتها.
اليوم، وبعد مرور سنوات، تعود تلك القضية إلى الواجهة من خلال دعوى حزب الابتكار، في ظل ظرف سياسي وقضائي غير مسبوق يعيد النقاش حول شرعية النظام الرئاسي برمته.

