تواصل السلطات التركية حملات الاعتقال الواسعة ضد من تصفهم بأنهم على صلة بحركة الراحل فتح الله كولن، في إطار سياسة أمنية ممتدة منذ نحو عقد، ما يعيد تسليط الضوء على الطابع السياسي والقضائي المثير للجدل في ملف الملاحقات المرتبطة بمحاولة الانقلاب المثيرة للجدل عام 2016.
وتأتي الاعتقالات الأخيرة لتؤكد أن ملف “كولن” ما زال يمثل أحد أبرز أدوات السيطرة الداخلية في تركيا، رغم انتقادات المنظمات الحقوقية الدولية وقرارات المحاكم الأوروبية التي شككت في الأسس القانونية لهذه الإجراءات.
تفاصيل الحملة الأخيرة
أعلن وزير الداخلية التركي علي يرليكايا عن اعتقال 286 شخصاً في عمليات أمنية شملت 50 ولاية تركية، من بينها إسطنبول وإزمير وطرابزون وبورصا. ووفق التصريحات الرسمية، تم إيداع 154 من المعتقلين السجن بقرارات قضائية، بينما يخضع آخرون للتحقيق بتهم تتعلق بـ”الانتماء إلى منظمة إرهابية” و”تمويل أنشطة غير قانونية” و”نشر دعاية عبر وسائل التواصل الاجتماعي“.
وتشير التقارير إلى أن الموقوفين يُتهمون باستخدام الهواتف العمومية للتواصل فيما بينهم، في إطار ما يُعرف في تركيا بـ”تحقيقات الهواتف العامة”، وهي آلية تعتمد على تسلسل المكالمات الصادرة من الهاتف نفسه لتحديد المشتبه فيهم. وبحسب هذا المنهج، إذا تم العثور على رقم أحد المشتبه بهم في سجل مكالمات، تُعتبر الأرقام التي سبقت أو لحقت المكالمة ضمن “شبكة الاتصال التنظيمية“، دون توفر محتوى للمحادثات أو أدلة مباشرة تثبت وجود تنسيق فعلي.
الاتهامات المتكررة والتطبيقات الرقمية
إلى جانب هذه المزاعم، أفادت السلطات بأن عدداً من المعتقلين استخدموا تطبيق “بايلوك ” (ByLock)، وهو تطبيق مراسلة مشفر كان متاحاً على متاجر التطبيقات قبل عام 2016. وتعتبر الحكومة التركية التطبيق وسيلة تواصل سرية بين أعضاء الحركة منذ محاولة الانقلاب، رغم أن الأدلة التقنية والقضائية لم تثبت ارتباطه بالعملية الانقلابية.
ومع ذلك، لا تزال السلطات تعتبر استخدام التطبيق دليلاً على “الانتماء إلى منظمة إرهابية”، وهو ما يتناقض مع أحكام عديدة صادرة عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان التي أكدت أن مجرد استخدام “باي لوك” لا يُعدّ جريمة في حد ذاته، لعدم وجود إثبات على نية المشاركة في أنشطة غير قانونية أو عنيفة.
خلفية تاريخية للصراع بين الحكومة وحركة كولن
بدأت المواجهة بين الحكومة التركية وحركة كولن في أعقاب تحقيقات الفساد التي جرت في ديسمبر 2013، والتي طالت شخصيات قريبة من الرئيس رجب طيب أردوغان وأفراداً من عائلته. وقد ردّ أردوغان آنذاك باتهام الحركة بتدبير “مؤامرة انقلابية” ضده، قبل أن يعلنها تنظيماً إرهابياً في مايو 2016، أي قبل شهرين فقط من المحاولة الانقلابية التي اتهم فيها الحركة بتدبيرها.
منذ ذلك الحين، شنت السلطات التركية حملات متواصلة من الاعتقالات والفصل والإقصاء الإداري شملت مئات الآلاف من الموظفين والمدنيين والعسكريين، فيما اضطر آلاف آخرون إلى الفرار خارج البلاد خوفاً من الملاحقات السياسية.
مؤشرات رقمية تكشف عمق الأزمة
تظهر أحدث بيانات وزارة العدل التركية أن أكثر من 126 ألف شخص أُدينوا بتهمة الارتباط بالحركة منذ عام 2016، بينما لا يزال أكثر من 11 ألفاً في السجون. كما تتواصل الإجراءات القانونية بحق أكثر من 24 ألف شخص، في حين يخضع58 ألفاً آخرون لتحقيقات جارية، رغم مرور ما يقرب من عقد على الأحداث.
هذه الأرقام، وفق مراقبين، تعكس استمرارية “حالة الطوارئ غير المعلنة” في البلاد، حيث تُستخدم تهم الانتماء إلى حركة غولن كأداة لتصفية الخصوم وإحكام السيطرة على المجتمع المدني والإدارة العامة.
البعد القانوني والحقوقي
تتزايد الانتقادات الدولية لسياسة الاعتقال الجماعي التي تنتهجها الحكومة التركية، حيث تؤكد منظمات حقوق الإنسان أن الأسس القانونية لهذه الملاحقات ضعيفة وتعتمد على قرائن ظرفية مثل استخدام تطبيقات رقمية أو التواصل عبر الهاتف، دون وجود أدلة ملموسة على النشاط الإجرامي.
كما يشير حقوقيون إلى أن استمرار هذه الحملات بعد مرور سنوات على المحاولة الانقلابية يهدف بالأساس إلى إبقاء الملف السياسي مفتوحاً لخدمة التوازنات الداخلية، وليس لحماية الأمن القومي كما تبرر الحكومة.

