في واحدة من أخطر الشهادات التي تهدد تماسك السلطة السياسية في تركيا، صرّح رجل الأعمال التركي جميل أونال، الذي أدار الشؤون المالية لرجل المافيا القبرصي خليل فاليالي على مدار سبع سنوات، قائلاً: «إذا أُعدت إلى تركيا، فلن أتمكن من البقاء حيًّا… الوثائق التي بحوزتي ليست فقط حول عائلة فاليالي، بل تشمل سياسيين بارزين عملوا معهم، وقد سلّمتها بالفعل إلى أجهزة الاستخبارات الهولندية والأمريكية».
هذه التصريحات التي أدلى بها أونال للسلطات القضائية الهولندية تسلط الضوء على بنية نظام قائم لا فقط على الفساد، بل على هندسة معقّدة من الابتزاز السياسي والأمني، وفقا للمحلل السياسي التركي المعروف أرقم طوفان، في تحليل قدمه عبر حسابه على موقع يوتيوب.
دولة الظل: منظومة فساد تحكمها الشرائط
خليل فاليالي، الشخصية المحورية في شبكة القمار وغسيل الأموال التي تتمركز في قبرص، والذي قُتل في عملية اغتيال غامضة عام 2022، لم يكن مجرد زعيم مافيا، بل “أرشيفي معلومات”، وثّق لعقود بالصوت والصورة لقاءات سرية جرت في أجنحة فنادقه الخاصة، جمعت رجال أعمال وسياسيين وبيروقراطيين. وفقًا للمعطيات، فإن أرشيفه يضم 45 شريطًا مصورًا، استولت الاستخبارات التركية (MİT) على 40 منها، بينما لا تزال 5 شرائط في عداد المفقودين، الأمر الذي تسبب بحالة هلع داخل أروقة الدولة، حتى بلغ الأمر أن وصف أرقم طوفان الوضع بأنه “أزمة وجودية لنظام أردوغان”.
دور جميل أونال: الشاهد الحي الذي قلب الموازين
جميل أونال، الذي قضى 16 شهرًا في سجون هولندا، أفاد في مقابلة أجرتها معه الصحفية عائشمدن أكين، ونشرتها صحيفة “Kıbrıs Postası”، بأن إطلاق سراحه تم مقابل تسليم الوثائق والأشرطة التي كانت بحوزته إلى استخبارات الولايات المتحدة وهولندا. وأوضح أن ما جرى تسليمه يتضمن أسرارًا تطال شخصيات رفيعة في الدولة التركية، بما فيهم أبناء مسؤولين بارزين، وتفاصيل صفقات مالية عابرة للحدود.
امتداد النظام إلى قبرص: شراكات مالية وسياسية مشبوهة
يكشف أونال أن شبكة الفساد شملت أيضًا أفرادًا من “عائلة سريم”، التي أسست مشاريع استثمارية مربحة في قبرص، مستفيدة من علاقاتها السياسية لتغيير طبيعة المناطق العسكرية وتحويلها إلى مشاريع ربحية مثل مجمع “Krom Plaza” في غِرنه. ويشير إلى أن هذه العمليات نُفّذت بتسهيلات استثنائية من قبل السلطات، وأن العائدات تم تحويلها إلى شركات في بريطانيا، من بينها شركة مملوكة لياسين أكرم سريم، نائب وزير الخارجية والسفير التركي السابق في قبرص، وابن مقصود سريم، الذي أدار النفقات السرية في عهد رئاسة أردوغان للوزراء.
الشرائط والابتزاز السياسي: نظام محكوم بالتسجيلات
بحسب ما نقله أونال، فإن ياسين أكرم سريم تم تعيينه سفيرًا في قبرص بغرض جمع الشرائط من أرشيف فاليالي، وبدأ بإجراء لقاءات سرية في منزل والد أوزجه فاليالي، زوجة خليل فاليالي. وعلى الرغم من تسليم 40 شريطًا، بقيت 5 أشرطة مفقودة، وهو ما دفع الرئيس أردوغان للتدخل مباشرة واستدعاء سريم إلى أنقرة، ليقيله لاحقًا من منصبه لفشله مع والده في هذا الصدد.
اتهامات مباشرة من المعارضة: شهادات أوزجور أوزيل
رئيس حزب الشعب الجمهوري، أوزغور أوزيل، كان قد أشار من على منصة البرلمان إلى أن من بين الأسماء المتورطة في هذه الشبكة كل من وزير الخارجية هاكان فيدان، ورئيس والوزراء السابق بن علي يلدريم، وأبنائهما، فضلًا عن إبراهيم كالين، الذي يشغل منصب مستشار الأمن القومي. وأضاف: “نبحث عن مدعٍ عام مستعد للتضحية بكل شيء، وإجراء تحقيقات قضائية في هذا الصدد”. لكن المحلل طوفان علق على هذا الطلب قائلا: “معظم الشجعان من النواب العامين والقضاة إما في سجن سيليفري أو في المنافي”، في إشارة إلى القضاء المسيس، وانتقاد ضمني للمعارضة التي التزمت الصمت تجاه حركة التصفية في أجهزة القضاء والأمن والمؤسسة العسكرية بتهمة الانتماء إلى حركة فتح الله كولن أو غيرها من الحركات المصنفة معادية أو إرهابية من قبل نظام أردوغان.
استخدام الشرائط في السياسة الخارجية: أزمة أمن قومي
ما يجعل القضية أكثر حساسية، بحسب تحليل أرقم طوفان، هو أن الشرائط لم تعد مجرد أدوات لتصفية الحسابات السياسية الداخلية، بل تحوّلت إلى أوراق ضغط على طاولة المفاوضات الدولية، في لاهاي وواشنطن. فحتى وإن لم تُنشر محتويات هذه الأشرطة، فإن مجرد وجودها كافٍ لخلق حالة من الذعر داخل أروقة النظام.
سدات بكر وشهادة من الداخل
زعيم المافيا التركي سدات بكر، الذي فرّ إلى الخارج وبدأ في نشر فيديوهات تُعرّي النظام، كان قد قال صراحة: “عملتُ مع خليل فاليالي، لكني اكتشفت أنه ليس مجرد زعيم مافيا، بل مركز ابتزاز يُدير الدولة”، في إشارة إلى أن الأشرطة استخدمت حتى في قضايا السياسة الخارجية.
النظام على المحك: ما بعد الشرائط
يشير أرقم طوفان إلى أن ما يجري ليس مجرد أزمة فساد، بل انهيار في مبدأ الشفافية والمحاسبة، وضربة قاصمة لمنظومة الدولة القانونية والأمنية. الشرائط الخمسة المفقودة، والتي يُعتقد أنها تحوي محتوى جنسي أو متعلق بألعاب القمار أو تجارة المخدرات، قد تكون كفيلة بإسقاط أسماء كبرى من أعلى هرم السلطة، مما يجعل النظام في حالة دفاع مستمر، تحت سيف الابتزاز المزدوج: الداخلي والخارجي.
في تحليل أرقم طوفان، فإن النظام التركي يعيش اليوم على “قنبلة معلوماتية مؤجلة”، وأنه في لحظة معينة، حين تفرض التوازنات الدولية شروطها، قد تُعرض هذه الشرائط على الطاولة كأدلة إدانة. فبعض الأشرطة لا تسجل فقط الصورة، بل تسجل نظامًا كاملًا.

