في تطور أثار الكثير من الجدل على الساحة التركية، طرح الكاتب والمحلل السياسي المعروف سعيد صفاء احتمال أن يكون السياسي والمثقف سِرّي ثُرَيّا أوندر قد تعرض لمحاولة اغتيال ممنهجة، أُلبست لباس “الوفاة الطبيعية” إثر أزمة قلبية. صفاء يؤكد أن طبيعة الحادث وملابساته تشير إلى سيناريو يتجاوز حدود الصدفة أو القدر الطبيعي.
أولًا: محاولة اغتيال سابقة وحقائق خطيرة
كشف كل من حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب المؤيد للأكراد وزعيم حزب الوطن دوغو برينجك بعد وفاة أوندر جراء أزمة قلبية، أن الراحل تعرض قبل وفاته بنحو أسبوع لمحاولة اغتيال عبر “تفخيخ سيارته” بطريقة مشابهة لتلك التي استخدمت ضد عدد من الشخصيات السياسية والأمنية سابقًا في تركيا.
لقد أظهرت التحقيقات الأولية العثور على جهاز تفجير خفي في مركبة الراحل قبل أشهر من وفاته، لكن لا توجد نتائج رسمية منشورة للرأي العام بشأن تفاصيل الجهاز، والمثير أن الحادثة لم تحظَ بتغطية كافية أو شفافية إعلامية، رغم خطورتها.
الدولة العميقة ودورها في تركيا
استعرض سعيد صفاء، عبر قناته على يوتيوب، ملخصًا عن عمليات الاغتيال التي تعرض لها عدد من القادة السياسيين والقيادات العسكرية الذين كانوا يؤيدون تسوية حزب العمال الكردستاني خصوصا، والقضية الكردية عمومًا، بالطرق السياسية السلمية، إلى جانب تاريخ الصراع بين جناحين أساسيين فيما يسمى في “الدولة العميقة” التي كشفت تحقيقات تنظيم أرجنكون التي بدأت في 2007 أنها تورطت في اغتيالات صاخبة.
صفاء لفت إلى أن هناك تيارين أساسيين في الدولة العميقة، أوله التيار الأطلسي – الناتو الذي حكم تركيا فعليًا منذ 1945 وحتى التسعينيات، وكان يعتمد على القوى “اليمينية” والجيش، والثاني التيار الأوراسي – الروسي/الإيراني الذي بدأ بالصعود بعد حادثة “سوسورلوك” في 1997 الصاخبة، واتخذ طابعًا استخباراتيًا وميليشيًا، وبنى علاقات مزدوجة مع إيران وروسيا.
أشار صفاء إلى أن من أبرز أدوار الدولة العميقة بجناحيها خلق “بيئة من الفوضى الأمنية” تسمح بتوسيع صلاحيات الجيش والشرطة، وتغذية الصراع التركي-الكردي واستغلاله لتعزيز النفوذ الأمني والعسكري، وتصفية كل من يحاول تقديم حل سلمي للمسألة الكردية.
تصفيات قديمة مشابهة.. من أوزال إلى بيتليس
قارن صفاء بين احتمالية مقتل أوندر والظروف الغامضة التي أحاطت بموت كل من الرئيس التركي الراحل تورغوت أوزال الذي توفي مسموما في 1993، والجنرال الراحل أشرف بيتليس، قائد قوات الدرك العام الدي توفي في العام ذاته بعد سقوط مروحيته بشكل مثير للشبهات. وكان كل منهما من أبرز الساعين إلى حل سياسي سلمي للمسألة الكردية، وكلاهما لقي مصرعه بعد جهود مباشرة للتواصل غير العلني مع عبد الله أوجلان، زعيم حزب العمال الكردستاني من أجل إجراء مفاوضات لحل القضية الكردية.
أكد المحلل التركي أن بيتليس سقط بطائرته في ظروف مشكوك فيها، فرغم أن الرواية الرسمية قالت إن المحرك تجمد، لكن الشركة المصنعة نفت ذلك فنيًا، منوهًا بأن جميع المحيطين ببيتليس تمت تصفيتهم لاحقًا أو لقوا حتفهم بطرق “غامضة”.
رابعًا: تحذير أوجلان من “آلية الانقلاب”
وكان زعيم حزب الوطن دوغو برينجك، الذي يعتبر من أبرز رجال “الدولة العميقة”، كشف مؤخرا أن سري ثريا أوندر كشف له في لقائه معه قبل أسبوع من وفاته أن عبد الله أوجلان حذره من أنَّ “آلية الانقلاب قد تدخل حيّز التنفيذ” وأنه قد يتعرض لعملية اغتيال، حيث كل من حاول تسوية المشكلة الكردية واجه مصيرا مشابها. واعتبر صفاء أن وجود صراع بين أجنحة الدولة العميقة يجعل احتمال حدوث تصفيات داخلية أو انقلابات ناعمة أمرًا واقعيًا وليس مجرد نظرية مؤامرة.
سبب استهداف أوندر
رأى صفاء أن أوندر كان يمثل نموذجًا سياسيًا يدعو لحل سياسي وسلمي للمسألة الكردية من داخل الدولة وليس عبر التمرد، وربما أراد البعض منع تكرار “أوند جديد” في المشهد السياسي، في رسالة مفادها: “لا تقتربوا من الملف الكردي ولا تتعاونوا مع أوجلان لحل القضية”، والتأكيد على أن الدولة العميقة ما زالت تملك أدوات اغتيال سياسي وإن لم تعد قادرة على تنفيذ انقلاب شامل.
لقاء غامض مع دوغو برينجك
أعاد صفاء للأذهان اللقاء الذي جرى بين أوندر وبرينجيك قبل ساعات من دخول أوندر في غيبوبة، ووفقا لحزب الديمقراطية والمساواة للشعوب فإن طلب اللقاء جاء من طرف برينجك، الذي نقل على قناة سي أن أن ترك أن أوندر تحدث خلال اللقاء عن “خطر تصفيته من قبل أمريكا وإسرائيل”، لكن هذه الرواية تُذكّر، بحسب صفاء، بالضجة التي أعقبت مقتل الجنرال بيتليس، حيث تم اتهام أمريكا مباشرة، للتغطية على الفاعلين الحقيقيين.
يذكر أن برينجك من أبرز الشخصيات السياسية التي اعتقلت في إطار تحقيقات تنظيم “أرجنكون” الموصوف في تركيا “بالدولة العميقة”، حيث واجه جملة من الاتهامات تضمنت الاضطلاع بأدوار في اغتيال عدد من القيادات العسكرية والشخصيات السياسية التي حاولت تسوية القضية الكردية بطرق سياسية، لكنه ينتمي فكريا إلى المعسكر الأوراسي (الروسي الصيني الإيراني) واشتهر بإلقاء التهم على واشنطن لإخفاء الحقيقة.
ومن المثير للانتباه أن محمد أيمور؛ رئيس شعبة مكافحة الإرهاب في جهاز المخابرات التركي سابقاً يصف برينجك بـ(fabricator)، أي المحترف في اختلاق أحداثٍ من أجل إثارة البلبلة والفوضى في البلاد؛ في حين أن “هرم عباس”، نائب رئيس المخابرات الأسبق، الذي اغتيل أيضًا في التسعينات، يتهمه بـ”العمالة لدولة أجنبية”، ويشرح مهمته في كتابه بعنوان “التحليل” (Analiz) بقوله: “تنفيذ عمليات تصفية باستخدام طرقٍ وأساليبَ شتى ضد العناصر المستهدَفة التي تشكّل عائقاً أمام تحقُّق مصالح تلك الدولة الأجنبية التي تعمل لصالحها، والسعي للحيلولة دون تطورِ وتقدُّم تركيا، ومنعها من اتباع سياسة وطنية مستقلة بعيداً عن مصالح تلك الدولة الأجنبية، وذلك من خلال تنظيم أنشطةٍ وفعاليات تقود البلاد إلى حالة عدم الاستقرار المتواصلة”.
عودة الأوراسيين للساحة؟ شواهد وتحركات
كشف المحلل التركي عن معلومات خاصة تفيد أن عناصر محسوبة على التيار الأوراسي للدولة العميقة بدأت تعقد بعقد اجتماعات سرية في أنقرة (خصوصًا في غولباشي)، في محاولة لإيجاد قنوات تواصل مع شخصيات مثل مرال أكشنر ومانصور يافاش لتأمين موقع سياسي ما بعد أردوغان، مشيرًا إلى أنهم يخططون لاستغلال “ملفات ابتزاز” و”أرشيفات فيديوهات جنسية” بحوزة شبكات مثل تلك التي كان يديرها زعيم المافيا القتيل خليل فاليالي.
مقارنة بين وضع الدولة العميقة في 1993 و2025
سعيد صفاء أعرب عن اعتقاده بأن الدولة العميقة باتت اليوم أضعف عسكريًا، إذ لم تعد تسيطر على الجيش والأمن كما في التسعينيات، لكنها لا تزال أقوى إعلاميًا واستخباراتيًا، وتملك أدوات لتنفيذ اغتيالات سياسية صاخبة، وتواصل العمل حاليًا في الفراغ الذي يتركه تحالف حزب العدالة والتنمية – الحركة القومية.

