أدلى زعيم الحركة القومية في تركيا دولت بهجلي بتصريحات تكشف عن تحوّل غير مسبوق في مقاربته السياسية لـ“ملف الأكراد“، وسط تصاعد التوترات الإقليمية ومحاولات إعادة صياغة التوازنات الداخلية.
“الإفراج عن دميرتاش سيكون خيراً لتركيا”
في موقف غير معتاد من زعيم الحركة القومية التركية، أعرب دولت بهجلي عن ترحيبه بقرار المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان الأخير الداعي إلى الإفراج عن الرئيس المشارك السابق لحزب الشعوب الديمقراطي صلاح الدين ديمرتاش، واصفاً الخطوة بأنها “نتيجة قانونية مشروعة” يمكن أن تكون “فاتحة خير لتركيا”.
بهذا التصريح، بدا أن بهجلي، المعروف بتشدده إزاء القضية الكردية، يفتح الباب أمام مراجعة هادئة للنهج الأمني في التعامل مع الملف الكردي، مستفيداً من الظرف السياسي الراهن الذي يشهد تصاعداً في التوتر الإقليمي وتراجعاً في الخطاب التصادمي الداخلي.
ويأتي موقفه بعد أن رفضت المحكمة الأوروبية اعتراض وزارة العدل التركية على قرارها السابق بشأن انتهاك حقوق دميرتاش، لتعيد القضية إلى واجهة النقاش السياسي والقانوني في أنقرة.
بهجلي اختصر الموقف بقوله: “القانون سلك طريقه، والنتيجة جاءت عبر الأطر الشرعية، وإطلاق سراحه سيكون في صالح البلاد.”
من “إمرالي” إلى البرلمان: مقترح غير مسبوق للحوار
لكن المفاجأة الأكبر جاءت في مقترحه المثير حول تشكيل لجنة برلمانية لزيارة سجن “إمرالي”، حيث يقضي عبد الله أوجلان، زعيم حزب العمال الكردستاني، حكمه المؤبد.
بهجلي دعا إلى الاستماع مباشرة إلى “الآراء والأفكار النهائية” لأوجلان، معتبراً أن ذلك “سينهي الجدل العقيم حول الملف الكردي” ويفتح الطريق أمام تسوية أكثر وضوحاً.
اقتراحه بزيارة “إمرالي” من قبل لجنة برلمانية تضم ممثلين عن مختلف الأحزاب — مع تأكيده على استعداد حزبه للمشاركة في هذه اللجنة — شكّل منعطفاً لافتاً في خطاب الحركة القومية التي طالما رفضت أي انفتاح على هذا المسار.
تصريحه فُهم على نطاق واسع كجزء من محاولة لإعادة ضبط التوازن السياسي داخل “تحالف الجمهور“ مع حزب العدالة والتنمية، في ظل الضغوط الداخلية والخارجية التي تواجه الحكومة التركية.
رسائل إلى الداخل والخارج: تحالف مستمر رغم التباينات
بهجلي حرص في كلمته أمام الكتلة البرلمانية لحزبه على التأكيد أن تحالفه مع حزب العدالة والتنمية “قائم على الحقيقة لا على المصلحة”، مشدداً على أن “لا خلاف أو نزاع” بين الطرفين حول هدف “تركيا بلا إرهاب”. وأضاف: “ما يجمعنا ليس حدثاً عابراً بل قضية وطنية كبرى… التحالف سيستمر، والمعركة التاريخية مستمرة.”
الرسالة الأوضح من خطابه كانت أن الحركة القومية، رغم تشددها المعروف، لن تعيق أي مبادرة سياسية تهدف إلى استقرار البلاد، بشرط أن تبقى تحت مظلة الدولة ووحدة القرار الوطني.
من غزة إلى بغداد: تداخل الملفات ورؤية أنقرة الجديدة
بهجلي لم يخلُ خطابه من انتقادات حادة لإسرائيل والولايات المتحدة، متهماً واشنطن بـ“الانفصال عن الواقع” في موقفها من الحرب على غزة. إدانته الشديدة لما وصفه بـ“جرائم الحرب الإسرائيلية” جاءت في وقت تعمل فيه أنقرة على استعادة دورها الإقليمي المتوازن بين المحورين الغربي والإسلامي، في ظل محاولات داخلية لخفض حدة الاستقطاب السياسي وتحسين العلاقات مع الجوار العربي.
ملامح تحوّل داخل السياسة التركية
يظهر خطاب دولت بهجلي الأخير كجزء من تحول تدريجي في المعادلة السياسية الداخلية، حيث يتقاطع البعد القانوني في قضية دميرتاش مع البعد السياسي في مبادرة “إمرالي”، ليشكلا معاً مؤشراً على إعادة ترتيب أولويات الدولة التركية.
وفي ظل تصاعد المنافسة بين أنقرة وطهران على النفوذ في العراق، يبدو أن تركيا تسعى إلى تنظيف جبهتها الداخلية استعداداً لمراحل تفاوض أكثر تعقيداً في الإقليم.

