تتحرك أنقرة بخطوات متسارعة لإعادة فتح الممر البري التجاري عبر الأراضي السورية وصولاً إلى الأردن ودول الخليج، في خطوة تُعد الأبرز منذ اندلاع الحرب السورية قبل أكثر من عقد.
وزير التجارة التركي عمر بولاط أعلن من العاصمة الأردنية عمّان أن الطريق سيُعاد تشغيله بالكامل بحلول عام 2026، بعد استكمال أعمال الترميم والإصلاحات الإدارية والفنية المتعلقة بالجمارك والتأشيرات والبنى التحتية.
بولاط أوضح أن الشاحنات التركية تعبر حالياً الأراضي السورية للوصول إلى الأردن والخليج، غير أن الإجراءات الحالية ما زالت معقدة وتتطلب تنسيقاً مستمراً مع السلطات السورية والأردنية، مشيراً إلى أن العمل يجري على تسهيل العبور وجعل الخط أكثر كفاءة واستقراراً.
انعكاسات اقتصادية واسعة
من المتوقع أن يؤدي استئناف العمل بالممر البري إلى تقليص كلفة النقل بشكل ملموس وتقصير زمن الرحلات التجارية نحو أسواق الشرق الأوسط، وهو ما يمنح الصادرات التركية دفعة قوية بعد سنوات من الاعتماد على الخطوط البحرية المكلفة.
منذ اندلاع الحرب السورية عام 2011، اضطر السائقون الأتراك إلى استخدام طرق بحرية طويلة عبر قناة السويس أو إلى تسليم البضائع لشاحنات سورية في مناطق حدودية آمنة، ما رفع التكاليف وأضعف تنافسية السلع التركية في المنطقة.
وتُظهر بيانات قطاع النقل ارتفاعاً في رحلات التصدير البرية إلى سوريا بنسبة قاربت الستين في المئة خلال النصف الأول من العام الجاري، وهو مؤشر على تنامي الطلب على استئناف الحركة التجارية المباشرة بين البلدين.
سوريا بعد التغيير: عودة تدريجية إلى الخارطة الاقتصادية
يأتي هذا التطور في ظل التحولات التي تشهدها سوريا منذ سقوط نظام بشار الأسد في نهاية عام 2024، حيث تعمل الحكومة الانتقالية الجديدة على إعادة دمج البلاد في منظومة التجارة الإقليمية، وإحياء الممرات الحيوية التي تربطها بجيرانها.
محللون اقتصاديون يرون أن إعادة فتح الممر التركي – السوري – الأردني تمثل خطوة استراتيجية نحو إعادة إدماج سوريا في سلاسل التوريد الإقليمية، بما يعزز تعافيها الاقتصادي ويعيدها إلى موقعها كحلقة وصل بين الأناضول والخليج العربي.
السكك الحديدية التاريخية تدخل خط الإحياء
وزير التجارة التركي أشار كذلك إلى تنسيق تركي–أردني متقدم لإعادة تأهيل خط سكة حديد الحجاز التاريخي الذي كان يربط دمشق بالمدينة المنورة مروراً بعمان، مؤكداً أن المشروع يهدف إلى تشغيل الخط لنقل البضائع والمسافرين على حد سواء.
وأشار بولاط إلى أن فرقاً فنية من البلدين تعمل على وضع اللمسات التقنية الأخيرة تمهيداً لإطلاق مرحلة التنفيذ خلال العام المقبل، معتبراً أن المشروع يمثل بعداً استراتيجياً يتجاوز النقل التجاري ليكرس التواصل التاريخي بين شعوب المنطقة.
شراكة اقتصادية تركية–أردنية متنامية
في الجانب الاقتصادي الأوسع، كشف بولاط أن حجم التبادل التجاري بين تركيا والأردن بلغ 1.1 مليار دولار في عام 2024، ومن المتوقع أن يتجاوز 1.6 مليار دولار بنهاية العام الجاري، مدفوعاً بتوسع التعاون في مجالات الطاقة والبنية التحتية.
وأوضح أن أنقرة تشجع شركات المقاولات التركية على المشاركة في خطة البنية التحتية الأردنية البالغة 15 مليار دولار، معتبراً أن الخبرة التركية في مشروعات النقل والطاقة تمنحها موقعاً مميزاً في السوق الأردنية.
كما أشار إلى وجود أكثر من ثلاثين رحلة جوية أسبوعياً بين البلدين، ما يعكس مستوى متقدماً من التواصل الاقتصادي والإنساني، ويسهم في تعزيز العلاقات التجارية والاستثمارية.
ممر اقتصادي جديد يعيد رسم الخريطة الإقليمية
إعادة تشغيل الممر التجاري عبر سوريا لا تمثل مجرد مشروع نقل، بل تعكس تحولات جيوسياسية عميقة في المنطقة، إذ تُعيد تركيا تثبيت موقعها كمحور بري رئيسي يربط أوروبا بالشرق الأوسط والخليج، في وقت تتطلع فيه العواصم العربية إلى تنويع مساراتها اللوجستية بعيداً عن التوترات البحرية في البحر الأحمر.
ويرى مراقبون أن أنقرة تسعى من خلال هذه الخطوة إلى توظيف موقعها الجغرافي كجسر للتجارة الإقليمية، مستفيدة من الانفتاح النسبي في العلاقات مع دمشق وعودة التنسيق مع عمان والرياض.

