في خطوة أثارت جدلًا واسعًا في الأوساط السياسية والعسكرية، أعلن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، في 5 أغسطس/آب، تعيين الجنرال سَلجوق بايرقدار أوغلو رئيسًا جديدًا لهيئة الأركان العامة للجيش التركي، خلفًا للجنرال متين غوراك الذي أُحيل إلى التقاعد رغم التوقعات السابقة بتمديد خدمته لعامين إضافيين.
القرار جاء عقب اجتماع مجلس الشورى العسكري الأعلى برئاسة أردوغان في المجمع الرئاسي بالعاصمة أنقرة.
من قائد للقوات البرية إلى رأس الهرم العسكري
بايرقدار أوغلو، الذي تولّى قيادة القوات البرية منذ أغسطس 2023، هو ضابط محترف صعد في صفوف المؤسسة العسكرية منذ تخرجه في الكلية الحربية التركية عام 1981، بعد دراسة سابقة في ثانوية كوليلي العسكرية المرموقة. وقد شغل مناصب بارزة في مجالات الاتصالات واللوجستيات، وصولًا إلى موقع نائب رئيس الأركان العامة عام 2021. وفي نفس العام، منحه وزير الدفاع آنذاك، خلوصي أكار، وسام الخدمة المتميزة للقوات المسلحة التركية.
الخلفية السياسية للتعيين: صراع علني مع المعارضة
ما يزيد من حساسية هذا التعيين هو أن بايرقدار أوغلو يُعد أول رئيس أركان يصل إلى هذا المنصب بعد مواجهة قانونية علنية مع زعيم المعارضة. ففي وقت سابق من هذا العام، رفع دعوى تشهير ضد زعيم حزب الشعب الجمهوري، أوزجور أوزيل، إثر تصريحات اتهم فيها قيادة الجيش، وتحديدًا بايرقدار أوغلو وقائد القوات البحرية الأدميرال أرجومنت تطلي أوغلو، بالمشاركة في حملة لإقصاء ضباط يُعتقد أنهم يمثلون التوجه العلماني داخل المؤسسة العسكرية.
أزمة “قسم مصطفى كمال” وتداعياتها
الخلاف السياسي انفجر على خلفية طرد خمسة ضباط برتبة ملازم بعد مشاركتهم في حفل غير مصرح به يوم 30 أغسطس 2024، تضمن أداء قسم رمزي عبّروا فيه عن ولائهم لمؤسس الجمهورية مصطفى كمال أتاتورك، بعبارة: “نحن جنود مصطفى كمال”. وقد اعتبرت المعارضة أن عمليات الفصل تهدف إلى قمع الهوية العلمانية داخل الجيش، فيما بررت الحكومة القرار بوجود مخالفات انضباطية.
وفي كلمة أمام البرلمان في فبراير، اتهم أوزيل الجنرالين بالضغط على المجلس التأديبي الأعلى لطرد الضباط، وقال: “أنتم رجال نالوا لعنات رفاقهم، لا بركاتهم”، مشيرًا إلى أن الفريق أول تَوفيق ألقان، الذي ترأس المجلس ورفض قرارات الفصل، قد تم تهميشه لاحقًا.
ردّ أردوغان: دعم كامل للقيادة العسكرية وتحذير صارم
الرئيس أردوغان لم يتأخر في الرد، إذ دعم علنًا القيادة العسكرية، ووجّه تهديدًا مبطنًا للمعارضة قائلاً في 26 فبراير: “أنا أخاطبكم بصفتي القائد الأعلى: انتبهوا لكلامكم، وإلا سنجبركم على ذلك. لا يحق لكم الهجوم على قيادة جيشنا. اعرفوا حدودكم”. وقد فتحت هذه التصريحات الباب أمام سلسلة من الدعاوى القضائية ضد أوزيل، تقدّم بها وزير الدفاع يشار غولَر وعدد من القادة، من ضمنهم بايرقدار أوغلو، في مارس، طالبين تعويضات معنوية.
وتجدر الإشارة إلى أن أوزيل سبق أن أُدين بتهمة التشهير في قضية أخرى رفعها ضده وزير الدفاع السابق خلوصي أكار، وأُلزم بدفع تعويضات مالية.
تغييرات أخرى في القيادة العليا: ترقية وخلافات قديمة تعود للسطح
في السياق ذاته، قرر مجلس الشورى العسكري الأعلى تعيين قائد الجيش الأول، الجنرال متين توكَل، قائدًا جديدًا للقوات البرية. وقد أعادت هذه الخطوة إلى الواجهة جدلًا قديمًا حول فيديو يعود لعام 2016، ظهر فيه توكل وهو يستقبل رئيس الوزراء الأسبق بن علي يلدريم بكلمات مبالغ فيها أثارت سخرية الرأي العام، حيث قال: “قدومكم شرف شعرنا به في أرواحنا”، مدّعيًا أن الضباط استشعروا حضوره حتى قبل وصوله.
أما بالنسبة لقيادة القوات البحرية والجوية، فقد تم تمديد ولاية الأدميرال تطلي أوغلو والجنرال ضياء جمال قاضي أوغلو لمدة عام إضافي. وفي المجمل، تمت ترقية 32 جنرالًا وأميرالًا، ورفع 61 عقيدًا إلى رتبة جنرال أو أميرال، فيما أُحيل 43 من كبار الضباط إلى التقاعد بسبب “عدم توفر شواغر“.
تغييرات تشريعية وهيكلية: إعادة رسم خريطة الترقية العسكرية
الاجتماع شهد أيضًا إقرار تغييرات هيكلية في نظام الترقيات العسكرية. فقد سُمح، بموجب قانون جديد، بترقية ضباط من خارج المسارات التقليدية (كقادة السفن أو الطيارين) إلى الرتب العليا. كما رُفع الحد الأقصى لعمر الخدمة للقادة من 65 إلى 67 عامًا، مع إمكانية تمديده حتى سن 72 بمرسوم رئاسي. واعتبارًا من 30 أغسطس، سيرتفع عدد الجنرالات والأميرالات في الجيش التركي من 316 إلى 332.

