في خطوة أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط الصحية والمهنية، أقرّ البرلمان التركي مشروع قانون يتيح بيع المنتجات المستخلصة من القنب الطبي في الصيدليات.
القانون، الذي تقدّم به حزب العدالة والتنمية، نال موافقة الأغلبية داخل الجمعية الوطنية الكبرى رغم التحذيرات المتكررة من قبل نقابة الأطباء الأتراك، والتي شددت على نقص الأدلة العلمية الكافية حول فعالية وأمان هذه المنتجات وتأثيرها على الصحة العامة.
ما الذي يتضمنه القانون الجديد؟
بموجب القانون، ستُتاح المنتجات المستخلصة من القنب، مثل المكملات الغذائية، ومنتجات العناية الشخصية، وبعض المستحضرات الصحية، للبيع حصرياً في الصيدليات. وتخضع عملية الترخيص والمتابعة والتسجيل لهذه المنتجات بالكامل لسلطة وزارة الصحة التركية، التي مُنحت صلاحيات موسعة في هذا الإطار.
كما نص التشريع على أن إجراءات الإنتاج والمعالجة والتوزيع والبيع ستتم بالتنسيق مع كل من وزارة الداخلية ووزارة الزراعة والغابات، بما يعكس سعي الحكومة لضمان ضبط سوق هذه المواد في مختلف مراحلها.
رد نقابة الأطباء: “القنب ليس مادة بريئة“
في بيان شديد اللهجة صدر أمس، أعربت نقابة الأطباء الأتراك عن قلقها العميق من عواقب إقرار القانون، مشيرة إلى أن القنب يعد أحد أكثر المواد المخدرة انتشاراً حول العالم.
وأكدت النقابة، من خلال مذكرة أعدتها مجموعة العمل المعنية بمراقبة التبغ، أن القنب يحتوي على أكثر من 60 مركبًا من الكانابينويد، والتي قد تؤدي، خصوصاً عند استخدامها لفترات طويلة أو بجرعات مرتفعة، إلى مشكلات صحية خطيرة تشمل اضطرابات نفسية وجسدية.
وخصّت النقابة بالذكر مادتي THC (دلتا-9-تتراهيدروكانابينول) وCBD (كانابيديول)، اللتين تُعدان من أبرز المكونات الفعالة في نبتة القنب، مبيّنة أن الأولى لها تأثيرات نفسية قد تؤدي إلى الإدمان واضطرابات ذهنية، فيما قد تكون الثانية ذات أثر مختلف تمامًا، مما يزيد من تعقيد الصورة الطبية.
نقص في الأدلة العلمية حول الفعالية والسلامة
وفي سياق متصل، شددت النقابة على أن استخدام منتجات القنب في بعض البلدان يتم في إطار علاجي صرف لبعض الأعراض، إلا أن التجارب الطبية لا تزال محدودة من حيث العدد والدقة. كما أشارت النقابة إلى أن التأثيرات الإيجابية المحتملة للقنب على بعض الأمراض لا تقابلها دلائل علمية كافية تثبت فعالية هذه المواد أو سلامتها طويلة المدى. ومن الآثار الجانبية الأكثر تكراراً التي سجلتها دراسات متعددة: الدوار، واضطراب الإدراك، والهلوسة، وجفاف الفم.
تداعيات مجتمعية: خطر على السلامة المرورية
لم تقتصر انتقادات النقابة على الجوانب الصحية فقط، بل طالت أيضاً الأبعاد المجتمعية لاستخدام القنب. وأكدت النقابة أن الاستهلاك الترفيهي غير الطبي للقنب يشكّل تهديداً مباشراً على سلامة المرور، لافتة إلى أن بيانات الحوادث تشير إلى أن مستخدمي القنب أكثر عرضة بنسبة 37% للموت في الحوادث، فيما ترتفع احتمالات الإصابة الجسدية بنسبة تصل إلى 96%.
السياق السياسي والاجتماعي للتشريع
تأتي هذه الخطوة التشريعية في وقت تواجه فيه الحكومة التركية ضغوطاً متزايدة لتحفيز الاقتصاد المحلي من خلال فتح أسواق جديدة، بما في ذلك سوق المستحضرات الطبيعية والعضوية. إلا أن تمرير القانون دون حوار موسّع مع الجهات الصحية والمهنية، ووسط غياب قاعدة علمية راسخة، يعزز من الاتهامات بأن الحكومة تسعى إلى فرض أجندة اقتصادية على حساب الصحة العامة.
ومن الجدير بالذكر أن القنب الطبي يُستخدم في بعض دول الاتحاد الأوروبي وكندا والولايات المتحدة ضمن معايير صارمة، وغالباً ما يتم تنظيم تداوله من خلال مؤسسات صحية حكومية وخضوعه لتجارب سريرية متقدمة، وهو ما لا يتوفر حالياً في السياق التركي بحسب النقابة.

