في تطور لافت يعكس تحولات ديناميكية في تجارة الأسماك بين ضفتي البحر الأسود، شرعت تركيا — رغم تصدّرها العالمي في إنتاج وتصدير الأنشوفة — في استيراد هذه السمكة من روسيا للمرة الأولى، وفق ما أورد موقع “مديا جونلوغو” التركي.
ويكشف هذا التوجه عن أبعاد اقتصادية متغيرة بدأت تفرض نفسها على علاقات التجارة البحرية بين أنقرة وموسكو، حتى في ظل تحقيق تركيا محصولاً قياسياً من الأنشوفة في عام 2023.
اعتبارات اقتصادية وراء تفضيل الأنشوفة الروسية
على الرغم من أن السواحل التركية على البحر الأسود شكّلت مركزاً تقليدياً لصيد الأنشوفة، إلا أن انخفاض أسعار الأسماك الروسية دفع بعض المستوردين الأتراك إلى الالتفات نحو الشواطئ الروسية. وفي هذا السياق، صرّح يوري أتانوف، رئيس اتحاد مؤسسات الصيد البحري في إقليم كراسنودار ومنطقة شمال القوقاز الروسية، بأن كميات كبيرة من الأنشوفة المصطادة قبالة سواحل نوفوروسيسك لاقت اهتماماً متزايداً من قبل التجار الأتراك، مشيراً إلى أن الدافع الرئيسي لذلك هو اقتصادي بحت. وقال في حديثه: “الأنشوفة لدينا أرخص”.
وبحسب الأسعار الروسية، يتراوح سعر الكيلوغرام الواحد من الأنشوفة عادة بين 300 إلى 400 روبل (ما يعادل 138–185 ليرة تركية)، بينما شهدت الأسعار في نوفوروسيسك ارتفاعاً ملحوظاً لتصل إلى 600 روبل (نحو 277 ليرة) في أكتوبر الماضي، ما أثار موجة من التذمر الشعبي في روسيا. في المقابل، بلغ سعر الكيلوغرام من الأنشوفة في الأسواق التركية حوالي 250 ليرة في شهر أبريل، ما يجعل الاستيراد من روسيا خياراً مربحاً لبعض التجار الأتراك.
محصول تركي قياسي رغم تراجع الثقة في المخزون الطبيعي
رغم هذا التحول في السياسات التجارية، تؤكد البيانات الرسمية أن الأنشوفة ما تزال تمثّل العمود الفقري لمصايد الأسماك التركية. فوفقاً لتقرير وزارة الزراعة والغابات لعام 2024، سجّلت تركيا ارتفاعاً بنسبة 117% في صيد الأنشوفة خلال عام 2023 مقارنة بالعام السابق، ليصل مجموع ما تم اصطياده إلى 273,915 طن، وهو أعلى رقم خلال السنوات الخمس الأخيرة.
ويُظهر التسلسل الزمني لكميات الصيد تقلبات حادة خلال الأعوام الأخيرة، إذ بلغ إجمالي المصيد في عام 2019 نحو 96,452 طن، ثم قفز إلى 262,544 طن في عام 2020، قبل أن يتراجع إلى 151,598 طن عام 2021، ثم انخفض مجدداً إلى 125,980 طن في 2022 — أي بنسبة تراجع بلغت نحو 17% مقارنة بالعام الذي سبقه. أما في 2023، فقد عاد الإنتاج ليرتفع بشكل لافت.
ويرى خبراء في الشأن البيئي والبحري أن هذه التقلبات تعود إلى عدة عوامل مركبة، أبرزها تغيّر المناخ، وتلوّث البحار، والاستخدام المكثف لأجهزة كشف الأسماك، فضلاً عن الصيد الجائر الذي أسفر عن تراجع مخزون الأنشوفة في البحر الأسود، مما أثّر سلباً على متوسط الحجم والقيمة الغذائية للسمكة.
أنقرة تبحث عن بدائل تجارية رغم وفرة الإنتاج
رغم وفرة الإنتاج المحلي، يبدو أن دوافع اقتصادية بحتة دفعت أنقرة إلى طرق أبواب جديدة في استيراد الأسماك. ويؤكد التقرير الرسمي أن نحو 93% من إنتاج تركيا من الأسماك — بما يعادل 454 ألف طن — يأتي من البحار المحيطة بها، ويشكّل البحر الأسود وحده ما يقرب من 75% من هذا الرقم. ومع ذلك، أظهرت تقارير إعلامية تركية، نُشرت في عام 2021، أن درجات حرارة المياه المرتفعة دفعت أسراب الأنشوفة إلى الهجرة نحو المياه الباردة قبالة سواحل جورجيا وروسيا، مما غيّر من أنماط التوزيع الطبيعي للمخزون السمكي.
تجارة بحرية متبادلة… روسيا أول مستورد للأسماك التركية
على صعيد التجارة الخارجية، حققت تركيا إيرادات بلغت 9.17 مليون دولار من صادرات الأنشوفة إلى 20 دولة حتى منتصف أبريل 2024، بينما بلغ إجمالي صادراتها من المنتجات البحرية نحو 1.7 مليار دولار سنوياً، يُوجَّه معظمها إلى دول الاتحاد الأوروبي. ومع ذلك، كانت روسيا في عام 2023 أكبر مستورد للأسماك التركية، حيث استوردت 61,726 طن، ما يعكس تداخلاً تجارياً معقّداً بين البلدين، خصوصاً في ظل استيراد تركيا للأسماك من روسيا في الوقت ذاته.
وفيما يتعلق بالاستيراد، تأتي المغرب على رأس الدول التي تصدّر إلى تركيا أنواعاً مثل الإسقمري (الماكريل) والسردين، بينما تستورد تركيا من النرويج أنواعاً أخرى كالماكريل، والإسقمري الحصاني، والسلمون. ويُلاحظ أن التقرير الأخير لوزارة الزراعة لم يتضمن أي بيانات رسمية عن استيراد الأنشوفة من روسيا، وهو ما يعزز فرضية أن هذا المسار التجاري لا يزال في مراحله الأولية.
تحوّلات السوق أم بداية لاعتماد متبادل؟
تكشف هذه المعطيات عن تحوّل لافت في نظرة أنقرة إلى الأمن الغذائي البحري، وتحديداً فيما يتعلق بصنف استراتيجي كسمك الأنشوفة. وبينما تواصل تركيا تعزيز إنتاجها المحلي من هذا المورد البحري، فإن لجوءها إلى استيراد الأنشوفة — حتى من منافس تقليدي مثل روسيا — يعكس مرونة براغماتية في إدارة الموارد والاستجابة لتقلبات السوق. وهو ما قد يكون مؤشراً على ولادة شراكات بحرية جديدة بين ضفتي البحر الأسود، تُعيد صياغة خريطة التجارة السمكية الإقليمية في السنوات القادمة.

