في زيارة ذات دلالة سياسية بالغة، أجرى مقرر البرلمان الأوروبي لشؤون تركيا، ناتشو سانشيز أمور، زيارة إلى سجن مرمرة في سيليفري يوم الجمعة، للقاء رئيس بلدية إسطنبول المعتقل، أكرم إمام أوغلو.
الزيارة التي وُصفت بأنها الأولى من نوعها لمسؤول أوروبي منذ اعتقال إمام أوغلو في مارس الماضي، جاءت تعبيراً عن تضامن أوروبي واضح مع أحد أبرز رموز المعارضة التركية، وتأكيداً على أن مستقبل تركيا في الاتحاد الأوروبي يمر عبر احترام حقوق الإنسان وسيادة القانون.
اعتقال إمام أوغلو: اتهامات بالفساد أم تصفية سياسية؟
أكرم إمام أوغلو، القيادي البارز في حزب الشعب الجمهوري (CHP) ومرشح المعارضة المحتمل للانتخابات الرئاسية المقبلة، اعتُقل في 19 مارس 2025 بتهم فساد، وُصفت على نطاق واسع بأنها ذات دوافع سياسية. اعتقاله فجّر موجة احتجاجات غير مسبوقة منذ عقد في إسطنبول، حيث خرج الآلاف، خاصة في منطقة سراج خانة قرب مبنى البلدية، للتعبير عن تضامنهم ورفضهم لما يعتبرونه استهدافًا مباشرًا لأقوى منافسي الرئيس رجب طيب أردوغان في انتخابات 2028.
سانشيز أمور: “إمام أوغلو دائماً ينتصر مرتين“
في تصريحات عقب زيارته، قال سانشيز أمور: “إمام أوغلو دائماً يفوز مرتين”، في إشارة إلى فوز إمام أوغلو في انتخابات بلدية إسطنبول عام 2019، رغم إلغاء الجولة الأولى من الانتخابات حينها. وأضاف: “لهذا أرى أن الوقت مناسب لنتذكّر كيف وصل إلى رئاسة البلدية. مستقبل تركيا الأوروبي يبدأ من هنا، من سجن سيليفري“.
سيليفري.. سجن المعارضين ومفترق طريق تركيا وأوروبا
يُعرف سجن سيليفري باحتضانه لأبرز المعتقلين السياسيين في تركيا، بينهم النائب والزعيم الكردي السابق صلاح الدين دميرطاش، ورجل الأعمال والناشط الحقوقي عثمان كافالا، وكلاهما ما زال قيد الاحتجاز رغم قرارات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان المطالبة بالإفراج عنهما.
رسائل تضامن تتجاوز إمام أوغلو
أعرب سانشيز أمور عن تضامنه مع عائلات المعتقلين، موجهًا تحية خاصة إلى باشاك دميرطاش، وديليك إمام أوغلو، وعائشة بوغرا، زوجات كل من دميرطاش، وإمام أوغلو وكافالا على التوالي، تقديراً لصمودهن في وجه ما وصفه بـ”الاضطهاد السياسي”. كما أبدى دعمه لفريق عمل بلدية إسطنبول الذي يتعرض لضغوط وملاحقات متواصلة، حيث أُوقف العشرات من موظفي البلدية ووُضعوا في الحبس الاحتياطي منذ اعتقال إمام أوغلو.
العدالة على المحك: “قضية ملفقة بالكامل“
أدان المقرر الأوروبي التهم الموجهة إلى إمام أوغلو، واصفاً إياها بأنها “ملفقة بالكامل”، ومعتبراً أن النيابة العامة في إسطنبول “تنفذ مهمة سياسية تحت غطاء القانون”. وقال: “إمام أوغلو في السجن لأن مرشحي الحزب الحاكم فشلوا في صندوق الاقتراع”، في إشارة إلى هزيمة مرشحي حزب العدالة والتنمية في الانتخابات المحلية الأخيرة، والتي فاز فيها إمام أوغلو مجددًا بمنصب عمدة إسطنبول في مارس 2024.
اجتماع مع العمدة المؤقت: تأكيد على مواصلة الطريق
في وقت سابق من اليوم ذاته، التقى أمور بالعمدة المؤقت للمدينة، نوري أصلان، الذي اختاره مجلس بلدية إسطنبول من حزب الشعب الجمهوري لقيادة المدينة في غياب إمام أوغلو. وقد أعرب أمور عن ثقته في أن “إمام أوغلو سيعود، لا أعلم متى، لكنه سيكمل مسيرته السياسية ويقود مجددًا مشروع الأمل والتغيير الديمقراطي في تركيا“.
من جانبه، شكر أصلان الوفد الأوروبي على موقفه، وقال: “إسطنبول كانت وستبقى رمزاً للحرية والتعددية والمشاركة، ونحن كإدارة منتخبة، سنظل أوفياء لهذه القيم رغم الظروف الصعبة“.
انهيار استقلال القضاء.. العائق الأكبر أمام انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي
شدد سانشيز أمور على أن أحد أبرز العوائق التي تقف أمام مسار انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي هو “تسييس القضاء”، مشيراً إلى أن توظيف الجهاز القضائي لإقصاء الخصوم السياسيين يمثل انتهاكاً صريحاً لقيم الديمقراطية الأوروبية.
ورغم أن تركيا حصلت على وضع المرشح للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي منذ عام 1999، وبدأت المفاوضات رسمياً في 2005، فإن المفاوضات مجمدة منذ 2018 بسبب التدهور في سيادة القانون والحريات الأساسية. وحتى الآن، تم فتح 16 فصلاً تفاوضياً من أصل 35، وأُغلق فصل واحد فقط.
وقد تجلى هذا التراجع بوضوح بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في 2016، والتي تبعها عزل أكثر من 4,000 قاضٍ ومدعٍ عام بحجة محاربة الانقلاب. كما احتلت تركيا المرتبة 117 من أصل 142 دولة في مؤشر سيادة القانون لعام 2024 الصادر عن مشروع العدالة العالمي.
إمام أوغلو.. ثابت رغم السجن
أكد أمور أن إمام أوغلو لا يزال يتمتع بروح معنوية قوية، قائلاً: “وجدت السيد إمام أوغلو في حالة ممتازة ذهنيًا وعاطفيًا. لا يزال مصممًا على مواصلة نضاله، لكنه قلق بشأن تأثير هذه القضية على فريقه وأصدقائه في البلدية“.

