أصدر البرلمان الأوروبي قرارًا يدين عزل واعتقال رؤساء البلديات المعارضين في تركيا، داعيًا إلى فرض عقوبات على المسؤولين المتورطين في استبدالهم بأوصياء معينين من قبل الحكومة، وذلك في ظل تزايد المخاوف بشأن تآكل الديمقراطية في البلاد.
عزل رؤساء البلديات المعارضين واستبدالهم بأوصياء حكوميين
منذ الانتخابات المحلية في مارس الماضي، التي شهدت فوز مرشحي المعارضة بعدة مدن، أبرزها إسطنبول، أقدمت حكومة حزب العدالة والتنمية الحاكم برئاسة رجب طيب أردوغان على إقالة 10 رؤساء بلديات معارضين، معظمهم ينتمون إلى حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب المؤيد للأكراد، واستبدلتهم بحكام معينين من قبل الدولة.
وخلال جلسة البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ، وصف ناتشو سانشيز آمور، المقرر الخاص بالبرلمان الأوروبي لشؤون تركيا، هذه الإجراءات بأنها “دليل صارخ على التدهور الديمقراطي الحاد في تركيا.”
وأشار آمور إلى قانونا صدر عام 2016 عقب محاولة الانقلاب، يمنح الحكومة سلطة عزل رؤساء البلديات وأعضاء المجالس البلدية وتعيين حكام حكوميين بدلًا منهم استنادًا إلى تحقيقات تتعلق بالإرهاب، مستشهدًا بمخاوف تتعلق بالأمن القومي. واعتبر أن هذا القانون بحد ذاته “غير ديمقراطي”، إلا أن ممارسات الحكومة جعلته “أكثر استبدادية”، موضحًا أن القانون لا يمنع تعيين أحد أعضاء المجلس المحلي من نفس الحزب الفائز بدلًا من تعيين مسؤول من حزب العدالة والتنمية الخاسر.
دعوات لفرض عقوبات على المسؤولين الأتراك
وصوّت البرلمان الأوروبي، يوم الخميس، لصالح قرار يطالب بفرض عقوبات تشمل تجميد الأصول وحظر السفر على المسؤولين الأتراك الذين يتولون مناصب الحكام المعينين، إضافة إلى أولئك الذين يقررون تعيينهم، وذلك بموجب آلية العقوبات الأوروبية الخاصة بانتهاكات حقوق الإنسان .
وتستند هذه الآلية إلى قانون ماغنيتسكي العالمي، الذي يسمح بفرض عقوبات على الأفراد الأجانب المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان أو الفساد الكبير. وكان هذا القانون قد وُضع لأول مرة في الولايات المتحدة عام 2012، بعد مقتل المحامي الروسي سيرغي ماغنيتسكي إثر تعرضه للتعذيب في السجون الروسية عام 2009. ومنذ ذلك الحين، تبنت دول عدة، بما في ذلك كندا والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، قوانين مشابهة.
مطالبات بالإصلاحات القضائية وضمان استقلالية البلديات
إلى جانب العقوبات، دعا البرلمان الأوروبي في قراره إلى الإفراج عن جميع رؤساء البلديات المعتقلين، وتبرئتهم وإعادتهم إلى مناصبهم ما لم يكن هناك دليل قانوني واضح ضدهم، وفقًا للمعايير القانونية الدولية. كما شدد على ضرورة إجراء إصلاحات قضائية تُلغي نظام تعيين الحكام الحكوميين وتضمن استقلال القضاء.
وأكد البرلمان التزامه بدعم الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون في تركيا، مطالبًا الاتحاد الأوروبي بمراقبة الوضع عن كثب واتخاذ الإجراءات الدبلوماسية اللازمة. كما حثّ الحكومة التركية على تنفيذ جميع قرارات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان (ECtHR)، بما في ذلك الأحكام المتعلقة بالسجناء السياسيين.
إجراءات سابقة ضد رؤساء البلديات الأكراد
منذ تطبيق حالة الطوارئ في 2016، عيّنت الحكومة التركية حكامًا حكوميين على 101 بلدية، معظمها كانت بقيادة الحزب الكردي، كما تم إقالة 151 عضوًا في المجالس البلدية.
وفي الانتخابات المحلية لعام 2019، تمكن الحزب الكردي من الفوز بـ65 بلدية، إلا أن الحكومة فرضت وصايتها على 59 منها، ولم يُسمح إلا لست بلديات فقط بالعمل دون تعيين حكام حكوميين. وشملت عمليات العزل مدنًا كبرى ذات أغلبية كردية مثل ديار بكر، وفان، وماردين، حيث تم استبدال رؤساء البلديات المنتخبين بمسؤولين حكوميين، استنادًا إلى اتهامات تتعلق بدعم الإرهاب.
ويرى منتقدو هذه الإجراءات أنها تقوّض الديمقراطية المحلية وتهمّش خيارات الناخبين، في حين تصفها منظمات حقوقية بأنها “استبدادية” و”معادية للديمقراطية.”
اتهامات بالإرهاب وتأثيرها على الوضع السياسي
تستند الحكومة التركية في قراراتها إلى اتهامات بالإرهاب وارتباط رؤساء البلديات المقالين بحزب العمال الكردستاني (PKK)، الذي يخوض صراعًا مسلحًا مع الدولة التركية منذ عقود، وأدى إلى مقتل آلاف الأشخاص. ويصنف كل من تركيا وحلفائها الغربيين حزب العمال الكردستاني كمنظمة إرهابية.
ومع استمرار الضغوط الأوروبية، تبقى مسألة تعيين الحكام أو الأوصياء الحكوميين واحدة من القضايا الخلافية الكبرى التي تثير تساؤلات حول مستقبل الديمقراطية المحلية في تركيا، ومدى التزام الحكومة بضمان انتخابات حرة ونزيهة.

