عبر زيارة مهمة لرئيس حكومة إقليم كردستان العراق، مسرور بارزاني، إلى الولايات المتحدة، رسّخ الإقليم موقعه كشريك موثوق به في المقاربة الأميركية تجاه العراق والشرق الأوسط.
وبرزت ملفات الطاقة والتعاون السياسي والأمني في مقدمة أجندة الزيارة، التي أكدت استمرارية العلاقة بين أربيل وواشنطن، رغم تغير الإدارات الأميركية وتعقيد العلاقات مع الحكومة الاتحادية في بغداد.
شراكة عابرة للإدارات
أظهرت الولايات المتحدة، عبر مختلف إداراتها، اهتماماً مستداماً بتعزيز علاقتها مع إقليم كردستان، معتبرة إياه طرفاً مستقراً وقابلاً للتعامل البناء في إطار السياسة الأميركية تجاه العراق. وقد انعكس ذلك في تصريحات متكررة من قادة أميركيين، أبرزهم وزير الخارجية السابق مايك بومبيو وعضو مجلس الشيوخ ماركو روبيو، اللذين وصفا الحكم الذاتي الكردي بأنه حجر الزاوية في نهج واشنطن تجاه العراق.
وفقا للخبر الذي نشرته صحف كردستانية، أكد ماركو روبيو في جلسة أمام لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب الأميركي أن “الحكم الذاتي لإقليم كردستان يمثّل جوهر العلاقة مع العراق”، مشيراً إلى أن الشراكة مع الإقليم تتجاوز تغير الحكومات في واشنطن.
ملفات الطاقة في صلب الزيارة
أحد أبرز إنجازات زيارة بارزاني تمثّل في توقيع اتفاقيتين إستراتيجيتين لتطوير حقلي غاز “ميران” و”توبخانة كردمير“ في محافظة السليمانية مع شركتي HKH EnergyوWesternZagros الأميركيتين. وتشير هذه الخطوة إلى تعميق التعاون في قطاع الطاقة، الذي تعتبره واشنطن من المجالات الحيوية لتقليص اعتماد العراق على واردات الطاقة الإيرانية.
رغم اعتراض الحكومة العراقية على توقيع الاتفاقيتين، اعتبر مراقبون أن هذا الرفض رمزي وشكلي، نظراً لعدم قدرة بغداد على مواجهة واشنطن في ملف حساس يرتبط بمصالح استراتيجية للطرفين، خصوصاً في ظل تحفظات أميركية قديمة على استمرار العراق في استيراد الغاز والكهرباء من إيران.
موقف أربيل: مصلحة وطنية لا مناطقية
قال سفين دزيي، مسؤول دائرة العلاقات الخارجية في حكومة الإقليم، إن العراق بأكمله—ليس فقط الإقليم—بحاجة إلى الغاز الطبيعي، معتبراً أن الاتفاقيتين الموقّعتين مع الشركتين الأميركيتين تمثلان مصلحة مشتركة تعود بالنفع على بغداد وأربيل معاً.
وأكد دزيي أن الشركتين تعملان في الإقليم منذ أكثر من 15 عاماً، وأن مشروع تطوير الغاز سيوفّر مورداً وطنياً مستداماً يدعم استقلال العراق الطاقوي ويعزز من فرص الاستثمار الأجنبي، مشدداً على أن “الاستثمار الأجنبي إنجاز عراقي مشترك“.
أبعاد أمنية وسياسية
لم تقتصر زيارة بارزاني على ملفات الطاقة والاقتصاد فقط، بل شملت أيضاً لقاءات مع مسؤولين في الكونغرس والإدارة الأميركية لبحث القضايا الإقليمية، لا سيما الوضع في سوريا، وأهمية التنسيق الأمني لضمان الاستقرار في العراق وشمال شرق سوريا.
وقد عبّرت واشنطن عن تقديرها للدور الإيجابي الذي تلعبه أربيل في المنطقة، واعتبر بومبيو أن الأكراد “قاتلوا أعداء أميركا مثل داعش والقاعدة دون أن يتسببوا في خسائر أميركية أو يرتبطوا بالإرهاب المعادي للولايات المتحدة“.
جدلية بغداد – أربيل: خلافات مستمرة
رغم الطابع الإيجابي للعلاقات الأميركية – الكردية، لا تزال حكومة بغداد تتحفظ على استقلالية الإقليم في توقيع اتفاقات طاقة خارج الإطار الاتحادي. وتُبقي هذه القضية ملف الخلاف الدستوري والسياسي بين المركز والإقليم مفتوحاً دون حل دائم، خاصة في ظل الاختلافات العميقة حول تقاسم الموارد والنفوذ الإقليمي والدولي.
وتحذر واشنطن منذ سنوات من خطر الارتهان العراقي لإيران في قطاع الطاقة، وتعرض مساعدات تقنية للتحول إلى الاعتماد على الموارد الذاتية، إلا أن الاستجابة من بغداد لا تزال بطيئة.
كردستان: نموذج مختلف في الشرق الأوسط
في مقال نشره في نيويورك بوست، وصف بومبيو إقليم كردستان بأنه “جزيرة من التعددية والتسامح” في منطقة تعاني من أزمات أيديولوجية وسياسية، مؤكداً أن التجربة الكردية تمثل استثناءً نادراً في الشرق الأوسط، إذ “رفضت المجتمعات الكردية الأيديولوجيات المعادية لأميركا ومعاداة السامية وأظهرت التزاماً واضحاً بالقيم الديمقراطية“.
وأشار بومبيو إلى أن موارد الإقليم الكبيرة، من النفط (نحو 45 مليار برميل، أي ما يعادل ثلث احتياطي العراق) إلى الغاز والمعادن، تؤهله لتحقيق الاكتفاء الذاتي الاقتصادي، مما يعزز مكانته كشريك إستراتيجي دون أن يُشكل عبئاً على الولايات المتحدة.

