شهد قطاع غزة تصعيدًا عسكريًا إسرائيليًا مفاجئًا وعنيفًا أدى إلى وفاة المئات، جاء بعد ضربات أميركية مكثفة استهدفت مواقع الحوثيين في اليمن، وهو ما يشير إلى أن العمليتين تنطلقان من رؤية استراتيجية موحدة، تهدف إلى تكثيف الضغوط على إيران وحلفائها في المنطقة. وقد ارتبط هذا التصعيد بشكل وثيق بسياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي عاد إلى البيت الأبيض في يناير، معلنًا تبنيه لاستراتيجية “الضغوط القصوى”، التي سبق أن طبّقها خلال ولايته الأولى عبر فرض عقوبات صارمة على طهران والانسحاب من الاتفاق النووي لعام 2015.
تداعيات الهجوم الإسرائيلي على غزة
وفقا لتحاليل إخبارية نشرتها الصحف العربية، مثل صحيفتي “العرب” والشرق الأوسط” اللندنيتين، مثَّلت الضربات الإسرائيلية، التي تمت بـ”تنسيق كامل” مع واشنطن، نقطة تحول كبرى في المشهد السياسي والعسكري، حيث تشير إلى تجاوز مسار التفاوض مع حركة حماس وتخطي دور الوسطاء المصريين والقطريين، ما يعكس توجهًا نحو فرض حلول عسكرية بدلًا من المسارات الدبلوماسية.
وفي سياق هذه التطورات، أكد المتحدث باسم الحكومة الإسرائيلية، ديفيد مينسر، أن العودة إلى القتال تمت بتنسيق تام مع الولايات المتحدة، فيما شدد المتحدث باسم مجلس الأمن القومي الأميركي على أن حماس كانت تملك خيار إطلاق سراح الرهائن لتمديد وقف إطلاق النار، لكنها اختارت المواجهة العسكرية بدلًا من ذلك.
مأزق حماس في ظل استئناف الحرب
مع تجدد العمليات العسكرية، تجد حماس نفسها أمام تحديات غير مسبوقة، إذ لم تطلق أي صواريخ حتى الآن، كما أن فرص الاشتباك المباشر تبدو محدودة. وتكتفي إسرائيل بالقصف الجوي المكثف، دون اللجوء إلى عمليات برية أو تتبع للمقاتلين داخل الأنفاق، ما يقلل من قدرة حماس على إحداث اختراق عسكري يعيد لها زمام المبادرة.
علاوة على ذلك، يبدو أن الدعم الأميركي المطلق لإسرائيل يمنح الأخيرة قدرة أكبر على التحرك دون قيود سياسية دولية، الأمر الذي يجعل الخيارات أمام حماس تزداد ضيقًا، خاصة أن التعويل على الحراك الشعبي العربي أو الضغوط الدولية لم يعد مجديًا، في ظل فتور التفاعل الشعبي مقارنة بموجات الغضب التي رافقت الحرب الأولى في أكتوبر 2023.
انعكاسات التصعيد على إيران وحلفائها
لم يقتصر تأثير هذا التصعيد على غزة فحسب، بل امتد ليشمل الميليشيات العراقية الموالية لإيران، التي تعرضت هي الأخرى لضربات أميركية وإسرائيلية بعد محاولتها “إسناد غزة” عبر إطلاق صواريخ متفرقة واستهداف قواعد أميركية في العراق وسوريا. كما يضع هذا التحول إيران أمام اختبار حقيقي، حيث إنها تواجه بيئة أكثر عدائية في ظل إدارة ترامب، التي تتيح لإسرائيل هامشًا أوسع للقيام بعمليات عسكرية دون مخاوف من ضغوط أميركية، كما كان الحال في عهد إدارة جو بايدن.
ويبدو أن الموقف الإيراني يزداد تعقيدًا، خاصة في ظل نجاح ضربات إسرائيلية محدودة في إصابة أهداف داخل إيران دون أن تتمكن الدفاعات الإيرانية من التصدي لها. وفي العراق، باتت الميليشيات المدعومة من إيران في موقف دفاعي، مع تزايد احتمالات تعرضها لهجمات مكثفة، خاصة أنها تفتقر إلى الحماية الجغرافية التي يتمتع بها الحوثيون في اليمن.
مواقف الأطراف المختلفة: تباين في الرؤى
في ظل هذا التصعيد، تتعدد المواقف الدولية والعربية إزاء التطورات الجارية. فقد أدانت عدة دول عربية وأوروبية الغارات الإسرائيلية على غزة، كما وصفت القاهرة العمليات العسكرية بأنها “عدائية”، معتبرة أنها تهدف إلى جعل غزة “غير قابلة للحياة” ودفع سكانها إلى الهجرة القسرية. وفي المقابل، أبدت واشنطن دعمها الكامل لإسرائيل، معتبرة أن حماس “اختارت الحرب” برفضها الإفراج عن الرهائن.
وعلى الصعيد الإسرائيلي الداخلي، يواجه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ضغوطًا متزايدة، حيث يتهمه معارضوه بالسعي لإطالة أمد الحرب من أجل تحقيق مكاسب سياسية، لا سيما في ظل التحقيقات الأمنية التي تطال مقربين منه. وفي هذا السياق، رفض نتنياهو تشكيل لجنة تحقيق في أحداث 7 أكتوبر، كما أعلن عزمه إقالة رئيس جهاز “الشين بيت” بعد اتهامه بالتجسس.
مستقبل الصراع: نحو تصعيد مفتوح؟
مع تصاعد العمليات العسكرية في غزة واستمرار الضربات الأميركية ضد حلفاء إيران، يبدو أن المنطقة مقبلة على مرحلة جديدة من التوترات، حيث تسعى إسرائيل، بدعم أميركي، إلى فرض واقع جديد على الأرض، سواء من خلال تكثيف الضغوط على حماس أو عبر استهداف حلفائها في العراق وسوريا.
ومن المرجح أن تتواصل المواجهات في الأسابيع المقبلة، لا سيما في ظل غياب أي بوادر لعودة المفاوضات، مما ينذر بإطالة أمد الصراع وتعميق الأزمة الإنسانية في غزة، التي تعاني من دمار واسع النطاق وارتفاع حاد في أعداد الضحايا المدنيين.
يؤكد التصعيد الإسرائيلي الأخير على غزة أن المنطقة باتت أمام مشهد سياسي وعسكري أكثر تعقيدًا، حيث تتحكم المصالح الاستراتيجية الأميركية والإسرائيلية في مسار الأحداث، على حساب أي حلول سياسية. ومع استئناف الحرب، يواجه محور المقاومة تحديًا وجوديًا، في ظل غياب الخيارات الدبلوماسية وضعف القدرة على التصدي للهجمات الإسرائيلية المتكررة، وهو ما يجعل الفترة القادمة حاسمة في رسم ملامح المواجهة القادمة بين إسرائيل وحلفاء إيران في المنطقة.

