بعد سنوات من الغياب الإجباري عن المجال العام، خرجت الكاتبة الصحفية التركية نازلي إيليجاك لتدلي بأول شهادة موسّعة لها منذ عام 2016، مقدّمة سردًا شخصيًا وسياسيًا يتقاطع فيه الذاتي مع العام، وتجربة السجن مع تاريخ الانقلابات، والخيبات الفردية مع مسار الديمقراطية التركية المتعثر.
إيليجاك، التي أمضت أكثر من ثلاث سنوات في السجن عقب محاولة الانقلاب الغامضة في 2016، تتحدث اليوم من موقع من عاش التحولات الكبرى من الداخل، ومن موقع من دفع ثمن خياراته ومواقفه، دون أن يتنصل منها أو يبررها.
الحياة بعد السجن: تقاعد بلا مهنة وصمت بلا استسلام
تقول إيليجاك، التي كتبت لصحف معروفة، أبرزها صحيفة “زمان”، إن وضعها الصحي يتناسب مع عمرها، وإنها تعيش مرحلة تقاعد هادئة نسبيًا، تقضيها بين المسرح، والرياضة، والعائلة، والأصدقاء. لكنها لا تخفي شعورها بالفقد، فمهنة الصحافة التي شكّلت هويتها لم تعد ممكنة في الظروف الراهنة.
ورغم ابتعادها القسري عن الكتابة العلنية، فإنها تواصل تدوين مذكراتها، على أن تُنشر في وقت ترى أنه أكثر ملاءمة، في إشارة ضمنية إلى استمرار القيود السياسية والإعلامية.
السجن بوصفه تجربة كسر للإنسان
تستعيد إيليجاك تفاصيل اعتقالها واحتجازها في سجن باكيركوي للنساء، حيث كانت تعاني من اضطرابات النوم، ما جعل انتقالها إلى زنزانة فردية مسألة صحية مصيرية. تصف الروتين اليومي القاسي، والالتزام بالمشي والرياضة كوسيلة للبقاء، لكنها تشدد على أن المرض داخل السجن كان أشبه بـ”كارثة”.
وتتوقف مطولًا عند عمليات النقل إلى المستشفيات وهي مكبلة بالأصفاد، معتبرة أن هذه الممارسة تنتهك الكرامة الإنسانية، ولا تتناسب مع أي معيار قانوني أو أخلاقي.

أحكام ثقيلة وعزلة سياسية
تلفت إيليجاك إلى أنها حُكمت بثلاثة أحكام بالسجن المؤبد المشدد، وتم تثبيت القرار في مرحلة الاستئناف، في وقت كانت فيه تشعر بأن لا أحد في الخارج مستعد للدفاع عنها أو عن أمثالها.
وتنتقد موقف المعارضة التي، بحسبها، لم تميز بين المسؤولية الجنائية الفردية والانتماء الفكري أو الاجتماعي، معتبرة أن حالة الإقصاء التي طالت المنسوبين إلى حركة الخدمة ما زالت قائمة بأشكال مختلفة.
“السماح بذبح الثور الأصفر”
في قراءتها للمشهد السياسي، ترى إيليجاك أن تجاهل المظالم حين تقع على “الآخر” مهّد الطريق لتوسيع دائرة القمع لاحقًا. وتشير إلى أن بعض القوى السياسية لم تتحرك إلا عندما طالتها الاعتقالات، بعد أن كانت تلتزم الصمت حيال ما جرى لغيرها.
وتستخدم مقولة “الثور الأصفر” (أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض) لتوصيف هذه الديناميكية، معتبرة أن تجاهل الانتهاكات في بداياتها كان خطأً جماعيًا، انتهى بعودة القمع ليطال الجميع.
ذاكرة الانقلابات: من 27 مايو إلى اليوم
تعود إيليجاك إلى طفولتها خلال انقلاب 27 مايو 1960، حين كانت طالبة في مدرسة نوتردام الفرنسية، فيما كانت عائلتها في أنقرة. ورغم إقرارها بأخطاء حزب الديمقراطية آنذاك، تؤكد أن الانقلاب شكّل نقطة تحول خطيرة أدت إلى ترسيخ الوصاية العسكرية.
وتربط بين تلك المرحلة وتشكيل بنية قضائية “مؤدلجة”، معتبرة أن جذور أزمات لاحقة، بما فيها محاولات إغلاق الأحزاب المنتخبة، تعود إلى ذلك التأسيس القسري.
وتستحضر مشهد إعدام رئيس حكومة حزب الديمقراطية عدنان مندريس ورفاقه، واصفة اليوم الذي أُعلنت فيه الأحكام بأنه أحد أكثر الأيام إيلامًا في تاريخ العائلات الديمقراطية.
سبعينيات أكثر حرية… مقارنة باليوم
في مقارنة لافتة، تصف إيليجاك سبعينيات القرن الماضي بأنها فترة أكثر انفتاحًا رغم الاستقطاب السياسي الحاد بين الزعيمين السياسيين سليمان ديميريل وبولند أجاويد. وتشير إلى أن الصحافة آنذاك كانت متعددة الأصوات، وأن سجن الصحفيين لم يكن مطروحًا كأداة سياسية.
مسار مهني بين الجرأة والخذلان
تعترف إيليجاك بأنها كانت في شبابها أكثر اندفاعًا وثقة بالنفس، وأن تلك الجرأة استمرت لسنوات طويلة قبل أن تصطدم بجدار محاولة الانقلاب المثيرة للجدل في 15 تموز 2016. وتقول إنها اليوم أكثر حذرًا، لكنها لا تندم على حماستها الأولى، معتبرة أن امتلاك القلم كان يعني أداء واجب أخلاقي تجاه المجتمع.
وتؤكد أنها تفضّل أن تُتهم بالخطأ على أن تُوصم بالتملق للسلطة، مشددة على أنها لم تدخل يومًا في علاقات قائمة على المصالح الخفية مع الحكم.
من أوزال إلى أردوغان: تغيرات السلطة والإعلام
ترى إيليجاك أن حقبة تورغوت أوزال وضعت الأسس الأولى للعلاقة المعقدة بين الإعلام والسلطة، مع الإقرار بإسهاماته الاقتصادية والسياحية. كما تقارن بين قسوة انقلاب 12 أيلول وما يرافق اليوم من تضييق، معتبرة أن لكل مرحلة كلفتها الخاصة.
وتؤكد أنها عارضت الوصاية العسكرية خلال الانقلاب الناعم في 28 شباط 1997، ودافعت عن ضحايا الحظر، ما كلفها فقدان عملها، قبل أن تنخرط سياسيًا بدافع التضامن مع المظلومين، وتكشف وثيقة “أنديتش” التي عرّت تدخل العسكر في الإعلام.
دعم مبكر ثم قطيعة
تعترف إيليجاك بأنها دعمت رجب طيب أردوغان في سنواته الأولى، لكنها اليوم لا توافق على سياساته، خاصة فيما يتعلق بالتوقيفات الواسعة، معتبرة أن استخدام القضاء لإقصاء الخصوم ينقلب في نهاية المطاف على النظام نفسه.
محاولة الانقلاب في 2016… لغز مفتوح
تقول إيليجاك إن محاولة الانقلاب ما تزال لغزًا بالنسبة لها، وإن ما أعقبها من عمليات واسعة خلّف مظالم عميقة. وترفض بالمطلق تغلغل أي تنظيم ديني في مؤسسات الدولة، داعية إلى تطبيق مبدأ الكفاءة بدل الاعتماد على الامتحانات الشفوية التي ترى أنها باب للتمييز.
الأمل رغم كل شيء
على الرغم من التجربة القاسية، تؤكد إيليجاك أن تركيا ليست حالة ميؤوسًا منها، مشيرة إلى تراكم تاريخي ديمقراطي، ومعارضة حية، وإرث جمهوري علماني.
خلاصة
شهادة نازلي إيليجاك ليست مجرد سيرة شخصية، بل قراءة نقدية لمسار سياسي طويل، تكشف كيف تتراكم الأخطاء حين يغيب التضامن، وكيف تتحول الفترات الانتقالية إلى أنظمة مغلقة إذا لم تُواجه مبكرًا.

