أعاد الهجوم العسكري الذي شنّته القوات السورية في مناطق سيطرة الأكراد شمال سوريا، بدعم مباشر من أنقرة، حالة القلق إلى أوساط الأكراد داخل تركيا، في لحظة سياسية حساسة تشهد فيها البلاد مساعٍ غير مكتملة لإنهاء صراع ممتد منذ عقود مع حزب العمال الكردستاني.
المخاوف الكردية لا تنبع من التطورات الميدانية وحدها، بل من تأثيراتها المحتملة على مسار الحوار القائم بين الدولة التركية وعبد الله أوجلان، مؤسس حزب العمال الكردستاني المسجون منذ سنوات.
أنقرة بين دعم دمشق والانخراط في مسار تفاوضي داخلي
تتزامن العمليات العسكرية في سوريا مع حوار تجريه أنقرة مع أوجلان، في محاولة لإنهاء تمرد مسلح استمر نحو أربعين عامًا وأودى بحياة ما يقارب أربعين ألف شخص. غير أن هذا المسار السياسي ظل معلقًا إلى حد كبير، بفعل المواجهة المفتوحة بين قوات سوريا الديمقراطية، التي تسيطر على مساحات واسعة من شمال شرقي سوريا، والحكومة السورية الجديدة التي تسعى إلى إعادة دمج هذه القوات ضمن مؤسسات الدولة المركزية.
هذا الجمود الميداني والسياسي تحول خلال الأسابيع الأخيرة إلى مواجهات مباشرة، بلغت ذروتها عندما حققت القوات السورية تقدمًا سريعًا في مناطق خاضعة لسيطرة القوات الكردية، قبل أن يعلن الرئيس السوري أحمد الشرع التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار يهدف إلى فرض خطط الدمج بالقوة السياسية والعسكرية.
توصيف تركي وتصعيد سياسي
رحبت أنقرة بالعملية العسكرية ووصفتها بأنها جزء من “مكافحة الإرهاب”، في إشارة مباشرة إلى قوات سوريا الديمقراطية التي تعتبرها امتدادًا لحزب العمال الكردستاني وتهديدًا استراتيجيًا على طول الحدود السورية–التركية الممتدة لنحو تسعمئة كيلومتر.
وفي هذا السياق، أكد الرئيس رجب طيب أردوغان خلال اتصال مع نظيره السوري أن دعم بلاده لدمشق “سيزداد، لا سيما في مجال مكافحة الإرهاب”.
من جانبه، شدد رئيس دائرة الاتصال في الرئاسة التركية برهان الدين دوران على أن تركيا لاعب قوي ميدانيًا وفاعل على طاولة المفاوضات، معتبرًا أن اتفاق وقف إطلاق النار وخطة دمج قوات سوريا الديمقراطية يمثلان مرحلة مفصلية في المسار السوري الجديد.
انعكاسات داخلية واحتجاجات في الجنوب الشرقي
الدعم التركي للهجوم السوري لم يمر دون رد فعل داخلي. فقد اندلعت احتجاجات في عدد من المدن ذات الغالبية الكردية داخل تركيا، حيث يشكل الأكراد نحو خُمس سكان البلاد البالغ عددهم ستة وثمانين مليون نسمة. وفي ديار بكر، كبرى مدن الجنوب الشرقي، خرج ما لا يقل عن خمسمئة متظاهر رغم تساقط الثلوج الكثيف.
وشهدت المدينة مواجهات مع قوات الأمن بعد محاولة الشرطة منع المسيرة، استخدمت خلالها قنابل الغاز والرصاص المطاطي لتفريق المحتجين، وأسفرت عن توقيف ما لا يقل عن عشرين شخصًا.
خسائر ميدانية تضرب طموحات الإدارة الذاتية
ميدانيًا، شكل الهجوم ضربة قاسية لآمال الأكراد في الحفاظ على إدارتهم الذاتية شمال سوريا. فبعد أيام من المعارك العنيفة، اضطرت قوات سوريا الديمقراطية إلى الانسحاب من مدينة حلب، قبل أن تتمكن القوات الحكومية خلال عطلة نهاية الأسبوع من السيطرة على مدينة الرقة، التي كانت خاضعة لسيطرة القوات الكردية منذ استعادتها من تنظيم الدولة الإسلامية قبل نحو عقد من الزمن.
أوجلان يحذر والحزب الكردي يتهم
في خضم هذه التطورات، وجّه عبد الله أوجلان رسالة عبر حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب، حذر فيها من أن العنف الجاري يمثل محاولة واضحة لـ“تخريب” مسار السلام القائم. الحزب، الذي لعب دور الوسيط بين أنقرة وأوجلان لأكثر من عام، اتهم الحكومة التركية بازدواجية المعايير، معتبرًا أنه لا يمكن التعامل مع الأكراد كمواطنين داخل تركيا واعتبارهم أعداء عبر الحدود.
وأكد الحزب أن النهج التركي لا يمكن أن يكون بنّاءً في أنقرة وهدامًا في سوريا في الوقت ذاته، محذرًا من أن هذه السياسات تقوض الثقة الهشة التي يقوم عليها أي مسار سلام محتمل.
قلق كردي متصاعد وتحذيرات من فقدان الثقة
في ديار بكر، وصف قياديون أكراد العملية العسكرية بأنها تهديد مباشر لمسار السلام. وأكد عباس شاهين، أحد قادة الحزب في المدينة، أن العملية وضعت مسار الحوار تحت اختبار قاسٍ، لكنه شدد في الوقت ذاته على ضرورة استمراره رغم المخاطر.
من جانبه، أشار بايرام بوزيل، رئيس حزب كردستان الاشتراكي، إلى أن الدعم التركي للتحركات ضد الأكراد في سوريا يولد حالة قلق وعدم ارتياح عميقين داخل الشارع الكردي في تركيا، محذرًا من أن السياسات الحالية تزرع انعدام ثقة قد ينعكس على سلوك حزب العمال الكردستاني مستقبلًا.
خيار السلام أم عودة التصعيد
رغم هذه الأجواء المشحونة، يرى بوزيل أن أنقرة ستواصل مسار السلام ونزع سلاح حزب العمال الكردستاني، معتبرًا أن البديل سيكون أكثر خطورة على الدولة التركية نفسها. فبحسب تقديره، فإن توقف هذا المسار قد يعيد الحزب إلى موقع التهديد الأكبر للأمن الداخلي.
وكان حزب العمال الكردستاني قد أعلن العام الماضي، استجابة لدعوة أوجلان، إنهاء حملته المسلحة ضد تركيا والتوجه نحو النضال الديمقراطي للدفاع عن الحقوق الكردية. غير أن أحد قياداته البارزين أكد لاحقًا أن الحزب لن يقدم على خطوات إضافية ما لم تبادر أنقرة بإجراءات مقابلة، مشددًا على أن جميع الخطوات التي طرحها أوجلان قد نُفذت، وأن المرحلة الحالية لن تشهد تحركات جديدة من جانب الحزب.
الخلاصة
التصعيد في شمال سوريا لا يهدد التوازنات الميدانية فحسب، بل يضع مسار السلام الكردي–التركي أمام اختبار حاسم، حيث تتقاطع الحسابات الإقليمية مع حساسيات الداخل. استمرار هذا المسار بات مرهونًا بقدرة أنقرة على الفصل بين معارك الخارج ومتطلبات التهدئة الداخلية.

