في خطوة تحمل دلالات سياسية عميقة، أُعلن في مدينة غدانسك البولندية عن اختيار رئيس بلدية إسطنبول المسجون، أكرم إمام أوغلو، لنيل جائزة بافيل آداموفيتش لعام 2026، تقديرًا لما وُصف بدفاعه عن الديمقراطية والحكم المحلي والحريات الأساسية.
الإعلان جاء في وقت يقبع فيه إمام أوغلو قيد الحبس الاحتياطي، ما أضفى على الجائزة بعدًا رمزيًا يتجاوز الطابع التكريمي المعتاد.
روح آداموفيتش ومعنى الجائزة
تحمل الجائزة اسم رئيس بلدية غدانسك الراحل بافيل آداموفيتش، الذي اغتيل عام 2019 أثناء أدائه مهامه العامة، وتُمنح لشخصيات عامة ونشطاء يعملون على تعزيز قيم الحرية والتضامن والمساواة، ويواجهون في سبيل ذلك ضغوطًا أو مخاطر.
الجهة المنظمة أكدت أن منح الجائزة لإمام أوغلو ينسجم مع روح آداموفيتش، الذي تحوّل إلى رمز أوروبي لمقاومة خطاب الكراهية والدفاع عن التعايش.
الاعتقال في قلب السردية
البيان المرافق للجائزة شدد على أن قيمتها تتضاعف لأن إمام أوغلو يقبع في السجن بسبب مواقفه السياسية، بحسب ما جاء في وصف الجهة المانحة.
رئيس بلدية إسطنبول، وأحد أبرز وجوه حزب الشعب الجمهوري المعارض، محتجز منذ مارس الماضي على ذمة تحقيقات تشمل اتهامات بالفساد و”التجسس السياسي”. توقيت الاعتقال، الذي جاء بعد ساعات من تثبيت ترشيحه الرئاسي، فجّر موجة احتجاجات واسعة داخل تركيا، وأثار انتقادات محلية ودولية اعتبرت الخطوة ذات دوافع سياسية.
دعم أوروبي واسع
الجائزة لم تكن نتيجة قرار معزول، بل ثمرة حراك أوروبي واسع شارك فيه نواب في البرلمان الأوروبي، ومسؤولون محليون وإقليميون، ومنظمات مجتمع مدني، إلى جانب آلاف المواطنين. الرسالة الأساسية التي رافقت الإعلان كانت واضحة: ملاحقة رؤساء بلديات منتخبين ديمقراطيًا أمر غير مقبول، والديمقراطية لا يمكن سجنها.
رسالة من خلف الأسوار
من داخل سجن مرمرة على أطراف إسطنبول، بعث إمام أوغلو رسالة مكتوبة نُشرت عبر محاميه، عبّر فيها عن امتنانه لهذا التكريم، معتبرًا الجائزة رمزًا للكرامة الإنسانية والإرادة الشعبية. وخص بالشكر مدينة غدانسك، واللجنة الأوروبية للأقاليم، وشبكة المدن الملاذ الدولي، إضافة إلى كل من دعمه ورشحه.
وفي استحضار لرمزية آداموفيتش، أكد إمام أوغلو أن الزعيم البولندي الراحل لا يزال مصدر إلهام لكل من يواجه سياسات الخوف والتمييز، مجددًا التزامه بتعزيز الديمقراطية المحلية، والدفاع عن العدالة والمساواة، وبناء مدن منفتحة وشاملة. وأهدى الجائزة إلى المواطنين الذين يواصلون، بحسب تعبيره، النضال من أجل الديمقراطية مهما كانت الظروف.
سياق أوسع داخل وخارج تركيا
الجائزة الأوروبية تأتي في سياق يتسم بتصاعد الضغوط على إمام أوغلو، الذي أُقيل من منصبه واعتُقل في إطار تحقيقات متعددة تصفها المعارضة ومنظمات حقوقية بأنها مسيّسة وتهدف إلى إقصائه عن السباق الرئاسي المقبل. حزب الشعب الجمهوري يؤكد أن المسار القضائي المستخدم بحقه يندرج ضمن محاولات إغلاق المجال السياسي أمامه، بينما تصر الحكومة التركية على أن القضاء مستقل ولا يتدخل في عمله.
تكريم يتكرر ورسالة مستمرة
هذا التكريم ليس الأول من نوعه. ففي نوفمبر الماضي، منحت مؤسسة أكسل شبرينغر للحرية في ألمانيا جائزة الشجاعة لإمام أوغلو وزوجته ديلك إمام أوغلو، تقديرًا لموقفهما الداعم للديمقراطية وحرية التعبير في ظل تصاعد الضغوط السياسية. تتابع هذه الجوائز يعكس تحوّل إمام أوغلو إلى رمز أوروبي للصراع بين السلطة والمعارضة في تركيا.
محطات قادمة
لجنة تحكيم الجائزة، التي عقدت اجتماعها في ديسمبر 2025، نظرت في أسماء مرشحين من خلفيات متعددة، بينهم نشطاء وسياسيون ومدافعون عن حقوق الإنسان من دول مختلفة، قبل أن تستقر على إمام أوغلو. ومن المقرر أن يُقام حفل تسليم الجائزة في بروكسل خلال مارس 2026، على هامش الجلسة العامة للجنة الأوروبية للأقاليم، في مناسبة يُنتظر أن تحمل رسائل سياسية تتجاوز حدود التكريم الشخصي.
الخلاصة
منح أكرم إمام أوغلو جائزة بافيل آداموفيتش يحوّل قضيته من ملف داخلي تركي إلى رمز أوروبي للصراع حول الديمقراطية والحكم المحلي. التكريم يسلط الضوء على تزايد الفجوة بين الرواية الرسمية التركية وقراءة أوروبية ترى في اعتقاله مسألة قيم قبل أن تكون قضية قانونية.

