سجّل عام 2025 تصعيدًا لافتًا في الضغوط الأمنية والقضائية على الصحافة في تركيا، حيث طالت إجراءات التوقيف أكثر من مئة صحفي، انتهى الأمر باعتقال أربعين منهم، بينما صدرت أحكام بالسجن بحق سبعة وخمسين صحفيًا في قضايا أُنجزت خلال العام نفسه، وبحلول مطلع يناير، كان ثمانية وعشرون صحفيًا لا يزالون خلف القضبان، وفق معطيات مركز ستوكهولم للحرية، في مؤشر على استمرار سياسة الحبس كأداة ردع.
هذه الأرقام لا تعكس فقط حالات فردية، بل تكشف عن نمط ممنهج يستهدف العمل الصحفي عبر أدوات قانونية وأمنية متداخلة.
التحقيقات والاتهام: مسار قضائي طويل
لم تتوقف الضغوط عند الاعتقال، إذ فُتح باب التحقيق الجنائي بحق أكثر من مئة صحفي خلال العام، وانتهت نسبة كبيرة من هذه الملفات بإعداد لوائح اتهام رسمية. ومع اختتام عدد من القضايا، بلغت مجموع أحكام السجن الصادرة ما يعادل عشرات السنوات، إضافة إلى غرامات مالية بمئات آلاف الليرات، ما يعكس استخدام القضاء كوسيلة ضغط مركبة تجمع بين العقوبة السالبة للحرية والاستنزاف المالي.
منع ميداني وعنف مباشر ضد الصحفيين
على الأرض، واجه الصحفيون أشكالًا متعددة من التضييق أثناء أداء مهامهم، حيث تعرض العشرات لسوء معاملة جسدية أو لفظية، فيما تلقى آخرون تهديدات مباشرة، ومنع عدد كبير منهم بالقوة من تغطية الأحداث، لا سيما خلال التظاهرات أو الوقائع ذات الحساسية السياسية.
ويشير ذلك إلى أن التضييق لا يقتصر على قاعات المحاكم، بل يمتد إلى الميدان، بما يخلق بيئة عمل محفوفة بالمخاطر اليومية.
الفضاء الرقمي تحت الحصار
شهد عام 2025 تشديدًا غير مسبوق على الإعلام الرقمي، مع توسيع رقعة الحجب الإلكتروني، حيث فُرضت قيود على عشرات المواقع الإخبارية، وحُجبت مئات المواد الصحفية المنشورة، إلى جانب إغلاق آلاف المنشورات على منصات التواصل الاجتماعي.
ويُنظر إلى هذه الإجراءات على أنها محاولة لإحكام السيطرة على تدفق المعلومات، خاصة في القضايا المرتبطة بالشأن السياسي، أو تلك التي تمس مسؤولين رفيعي المستوى.
الخسائر الاقتصادية للصحافة
لم تقتصر تداعيات القمع على الجانب القانوني، بل امتدت إلى البنية الاقتصادية للمؤسسات الإعلامية، حيث فُصل مئات العاملين في قطاع الإعلام خلال عام واحد، ما أدى إلى اتساع دائرة البطالة في الوسط الصحفي، وزاد من هشاشة الاستقلال المهني في ظل بيئة اقتصادية خانقة.
الهيئات الناظمة موضع جدل
أثار التقرير انتقادات مباشرة لتركيبة الهيئات المنظمة للبث والإعلام الرقمي، معتبرًا أن هيمنة الحزب الحاكم على مجالسها تُفقدها الاستقلالية، وتحوّلها إلى أدوات رقابية أكثر منها تنظيمية.
وتواجه هيئة تنظيم البث التلفزيوني والإذاعي اتهامات متكررة بممارسة رقابة انتقائية تستهدف وسائل الإعلام المعارضة، بما يسهم في ترسيخ خطاب إعلامي أحادي الاتجاه.
قوانين فضفاضة ومساحات أضيق
يأتي هذا التصعيد في سياق قانوني متشدد، تُستخدم فيه تشريعات تتعلق بـ«التضليل الإعلامي»، و«إهانة المسؤولين»، و«الدعاية الإرهابية» لتجريم العمل الصحفي، لا سيما عندما يتناول قضايا فساد أو انتقادات للسلطة أو حلفائها السياسيين.
وقد أدى هذا الإطار القانوني إلى تصاعد الرقابة الذاتية داخل المؤسسات الإعلامية، خشية الملاحقة أو الإغلاق.
صورة قاتمة في المؤشرات الدولية
يعكس التراجع الحاد في حرية الصحافة خلال العقد الأخير موقع تركيا المتأخر عالميًا في مؤشرات حرية الإعلام، حيث باتت ضمن الدول ذات السجل الأسوأ في هذا المجال، نتيجة تداخل الضغوط الأمنية والقانونية والاقتصادية، إلى جانب الاستحواذ على وسائل إعلام مستقلة.
مطالب بالإصلاح والإفراج
في ختام التقرير، جرى التشديد على ضرورة الإفراج الفوري عن جميع الصحفيين المعتقلين، ووقف حجب الحسابات والمنصات الإعلامية دون قرارات قضائية، وإعادة فتح المواقع المغلقة، إلى جانب الدعوة إلى إصلاح عميق في بنية الهيئات الناظمة للإعلام لضمان استقلالها وحيادها.
خلاصة
يؤكد عام 2025 أن الصحافة في تركيا تعمل تحت ضغط متزايد يجمع بين الاعتقال، والحكم القضائي، والمنع الميداني، والحصار الرقمي، في مشهد يعكس أزمة بنيوية في حرية التعبير. وبين القوانين المقيدة والهيئات غير المستقلة، يبقى مستقبل الإعلام المستقل مرهونًا بإصلاحات سياسية وقانونية شاملة.

