أعادت دفعة جديدة من الوثائق القضائية الصادرة عن وزارة العدل الأميركية في قضية جيفري إبستين تسليط الضوء على شبكة الاتجار الجنسي بالقاصرين التي ارتبط اسمه بها، مع بروز ادعاءات خطيرة تشير إلى احتمال نقل قاصرين من تركيا ضمن هذه الشبكة العابرة للحدود، دون أن ترقى هذه المزاعم حتى الآن إلى مستوى الإثبات القضائي.
مضمون الوثائق وحدودها القانونية
الوثائق، التي نُشرت في إطار دعاوى تتعلق بكيفية التعامل مع اتفاق عدم الملاحقة القضائية الذي حصل عليه إبستين عام 2008، تضمنت فقرة تفيد ــ “استنادًا إلى معلومات واعتقاد” ــ بأن إبستين قام بنقل فتيات قاصرات من تركيا، وجمهورية التشيك، ودول آسيوية أخرى، كثيرات منهن لا يتحدثن الإنجليزية.
غير أن النص القضائي لم يتضمن أسماء مزعومة للضحايا، ولا تفاصيل لوجستية حول آلية النقل أو الجهات المتورطة، كما لم تؤكد أي جهة تحقيقية أو قضائية صحة هذه الادعاءات حتى الآن، ما يبقيها في إطار الاتهام غير المثبت قانونيًا.
إثارة سياسية داخل تركيا
الادعاءات عادت إلى الواجهة بعد أن نشرها نائب رئيس الكتلة البرلمانية لحزب “الجيد” المعارض، تورهان تشوميز، على حساباته في وسائل التواصل الاجتماعي، معتبرًا أن ما ورد في الوثائق يشير إلى “جريمة مروعة ضد الإنسانية”.
وأوضح تشوميز أن الفتيات القاصرات المزعوم نقلهن إلى جزيرة إبستين الخاصة في الكاريبي كن يعانين من صعوبات بسبب عدم إتقان اللغة الإنجليزية، في توصيف يعكس حجم الانتهاكات المزعومة، رغم غياب الأدلة القاطعة.
كما أشار إلى أنه سبق أن قدم معلومات حول شبكات دولية لاستغلال الأطفال إلى وزارة الداخلية التركية في وقت سابق، ما أدى ــ بحسب قوله ــ إلى توقيف بعض المشتبه بهم، دون الإفصاح عن تفاصيل إضافية.
إشارات سابقة لتركيا في ملف إبستين
ليست هذه المرة الأولى التي تُذكر فيها تركيا في سياق قضية إبستين. فقد كشفت وثائق رُفعت عنها السرية في يناير من العام الماضي أن إحدى الشاهدات، أدريانا روس، سُئلت خلال إجراءات قانونية عمّا إذا كانت تعلم بنقل إبستين فتيات قاصرات من تركيا وجمهورية التشيك. غير أنها امتنعت عن الإجابة، متمسكة بحقها في الصمت.
تشوميز أعاد طرح القضية آنذاك، موضحًا أن الادعاءات تعود إلى فترة ما بين عامي 2002 و2005، ومشيرًا إلى أن السلطات التركية لم ترد على استفساراته البرلمانية بشأنها، رغم حساسية الملف.
اختفاء الأطفال… سياق محلي مقلق
ورغم عدم وجود رابط مثبت بين قضية إبستين وملفات الأطفال المفقودين في تركيا، فإن عودة هذه الادعاءات أججت نقاشًا عامًا قديمًا حول ظاهرة اختفاء القاصرين.
وتشير إحصاءات قضائية تداولتها وسائل الإعلام إلى تسجيل أكثر من مئة ألف حالة إبلاغ عن فقدان أطفال خلال الفترة الممتدة بين 2008 و2016، مع تأكيد العثور على معظمهم لاحقًا، في حين تغيب بيانات حديثة ومفصلة حول الحالات التي لم تُحل.
وفي سياق متصل، نفت وزيرة الأسرة والخدمات الاجتماعية التركية بشكل قاطع وجود أطفال مفقودين بعد زلازل فبراير 2023، مؤكدة أن جميع الأطفال الذين كانوا تحت الرعاية الرسمية جرى حصرهم. لكنها لم تتطرق إلى تساؤلات قديمة تتعلق بالأطفال الذين فُقدوا عقب زلزال مرمرة عام 1999.
تطورات القضية الأميركية
قضية إبستين، التي هزت الرأي العام العالمي، تعود إلى اتهامه بإدارة شبكة منظمة لاستغلال القاصرين جنسيًا. وقد عُثر عليه ميتًا داخل زنزانته في نيويورك عام 2019 في ظروف أثارت جدلًا واسعًا.
في المقابل، أُدينت شريكته السابقة غيسلين ماكسويل عام 2021 بتجنيد قاصرين لصالح الشبكة، وحُكم عليها بالسجن لمدة عشرين عامًا.
ومؤخرًا، دخل قانون الشفافية الخاص بملفات إبستين حيّز التنفيذ في الولايات المتحدة، ما ألزم وزارة العدل بنشر وثائق غير سرية تتعلق بالقضية. وقد نُشرت الدفعة الأولى من هذه الملفات في ديسمبر، مع الإشارة إلى أن المزيد من الوثائق سيُفرج عنها لاحقًا، رغم أن العديد من الصفحات ما تزال خاضعة للحجب الجزئي.
الوثائق تتضمن أسماء شخصيات عامة كانت لها صلات أو علاقات بإبستين بدرجات متفاوتة، دون توجيه اتهامات جنائية لأي منها حتى الآن.

