شهدت تركيا مؤخراً فصلاً جديداً من حملات الملاحقة الأمنية ضد المنتسبين أو المقرّبين من حركة الراحل فتح الله كولن، وذلك مع دخول مدرّسة سابقة للقرآن الكريم السجن بعد إدانتها بالانتماء إلى الحركة.
يرى مراقبون أن القضية تعكس استمرار النهج العقابي الذي تبنته الحكومة التركية منذ سنوات في إطار ما تعتبره «حرباً على الإرهاب»، بينما تراها منظمات حقوقية ومراقبون دوليون سياسة ممنهجة للتطهير السياسي.
تفاصيل القضية
وسائل إعلام معارضة، بينها موقع TR724، أفادت بأن السيدة م. ك.، البالغة من العمر تسعة وأربعين عاماً، سلّمت نفسها للشرطة في محافظة أفيون قره حصار في الثامن عشر من سبتمبر، وذلك بعد أن صادقت محكمة التمييز العليا على حكم بسجنها سبع سنوات وستة أشهر.
المدرّسة كانت تعمل ضمن دورات القرآن الكريم التابعة لهيئة الشؤون الدينية التركية (ديانت)، لكنها أُقيلت بمرسوم طوارئ في عام 2022. ووجهت إليها تهم تتعلق باستخدام تطبيق ByLock الذي تعتبره السلطات أداة تواصل سرية لأتباع كولن، إضافة إلى إيداع أموال في بنك آسيا الذي أُغلق لاحقاً، فضلاً عن تسجيل أبنائها في مدارس مرتبطة بالحركة. وخلال جلسات المحاكمة السابقة نفت جميع هذه الاتهامات، مؤكدة أنها كرّست حياتها للتدريس ولا صلة لها بأي تنظيم.
خلفية حركة كولن والاتهامات الرسمية
منذ عقد من الزمن، دخلت الحكومة التركية في مواجهة مفتوحة مع حركة كولن، التي كانت في السابق تحظى بتقدير رسمي لدورها في التعليم وحوار الأديان. لكن التحالف انهار إثر تحقيقات الفساد عام 2013 حيث تورط فيها الدائرة القريبة من الحكومة، وتحوّل إلى عداء معلن بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو 2016. وفي مايو 2016 صنّفت أنقرة الحركة كـ”منظمة إرهابية”.
فتح الله كولن، الذي عاش في الولايات المتحدة لعقود، ظل ينفي أي علاقة بمحاولة الانقلاب أو بأي نشاط إرهابي. وتوفي في أكتوبر 2024 عن عمر ناهز الثالثة والثمانين، فيما استمرت السلطات التركية في حملتها ضد من تصفهم بـ”أتباعه”.
الجدل حول الأدلة القضائية
تعتمد المحاكم التركية على مؤشرات مثل استخدام تطبيق ByLock، أو امتلاك حسابات في بنك آسيا، أو الانتماء إلى نقابات عمالية، باعتبارها أدلة على الانتماء للحركة. غير أن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أصدرت في عام 2023 حكماً اعتبر هذه الأدلة غير قانونية ولا تكفي لإثبات التورط في نشاط إرهابي. ورغم ذلك، لم تغيّر أنقرة من ممارساتها القضائية، ما دفع منظمات حقوقية للتأكيد على وجود فجوة متزايدة بين المعايير الأوروبية والنهج القضائي التركي.
التصعيد الأمني المستمر
وزير الداخلية التركي علي يرليكايا أعلن في الحادي والعشرين من سبتمبر أن الأجهزة الأمنية نفّذت خلال أسبوع 39 عملية أسفرت عن اعتقال 16 شخصاً بتهم الارتباط بالحركة، مشيراً إلى أن وزارته منذ يونيو 2023 أشرفت على أكثر من 11 ألف عملية ضد الحركة، انتهت باعتقال ما يزيد على 3,500 شخص وتوقيف أكثر من 19 ألفاً.
الإحصاءات الأوسع تكشف عن حجم الحملة؛ إذ أسفرت إجراءات الطوارئ التي فُرضت بعد محاولة الانقلاب عن فصل نحو 130 ألف موظف حكومي، بينهم آلاف القضاة والمدعين العامين وضباط الجيش والشرطة والمعلمين. كما اضطر آلاف آخرون إلى الفرار خارج البلاد طلباً للجوء في أوروبا وأمريكا الشمالية ودول أخرى.
أبعاد حقوقية وسياسية
منظمات حقوق الإنسان انتقدت مراراً هذه الممارسات واعتبرتها «تطهيراً جماعياً» تحت غطاء مكافحة الإرهاب. وبحسب المراقبين، فإن استمرار أنقرة في توسيع نطاق هذه الحملات رغم قرارات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان يعكس إصراراً سياسياً على تحييد أي قوى اجتماعية أو فكرية مرتبطة بحركة كولن. كما أن استهداف قطاعات التعليم والدين، كما في حالة المدرّسة م. ك.، يبرز مدى شمولية هذه السياسات، التي لم تستثنِ حتى العاملين في المؤسسات الدينية الرسمية.

