شهدت العاصمة القطرية الدوحة انعقاد قمة عربية – إسلامية طارئة، في أعقاب الهجوم الإسرائيلي غير المسبوق الذي استهدف قادة من حركة حماس على الأراضي القطرية الأسبوع الماضي. وقد استغل أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني افتتاح القمة لتوجيه اتهام مباشر لإسرائيل بالسعي إلى إفشال المفاوضات الخاصة بوقف الحرب في غزة عبر استهدافها الطرف المفاوض على أراضي بلاده، مؤكداً أن “من يعمل بشكل منهجي على اغتيال من يفاوضه إنما يقصد تعطيل مسار التفاوض“.
خطاب حاد ورسائل إلى الداخل والخارج
كلمات القادة العرب والمسلمين اتسمت بحدة غير معهودة، إذ وُجهت انتقادات مباشرة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ووصِف بالمسؤول الأول عن نسف فرص السلام في المنطقة. ويرى مراقبون أن هذا الخطاب يعكس رغبة الزعماء في إيصال رسالة إلى الشارع العربي بأنهم لم يتوانوا في تحميل إسرائيل المسؤولية الكاملة، رغم إدراكهم محدودية التأثير العملي لهذه المواقف.
الاتفاقيات الإبراهيمية تحت مجهر التهديد
وفق تقرير نشرته صحيفة “العرب” اللندنية، حملت مسودة البيان الختامي للقمة إشارة واضحة إلى أن الاعتداء الإسرائيلي على قطر “يقوض فرص السلام ويهدد كل ما تحقق في مسار التطبيع، بما في ذلك الاتفاقيات الموقعة والمستقبلية”. في إشارة مباشرة إلى الاتفاقيات الإبراهيمية التي أبرمت عام 2020 بين إسرائيل وكل من الإمارات والبحرين والمغرب، والتي تعثرت منذ اندلاع حرب غزة في أكتوبر 2023 وأوقفت مفاوضات التطبيع مع السعودية. ومع ذلك، يرى المراقبون أن القمة لا تتجه إلى إلغاء تلك الاتفاقيات، بل تسعى إلى تذكير إسرائيل بضرورة مراعاة شركائها الإقليميين.
الخليج وإعادة تثبيت الخطوط الحمراء
الباحثة إلهام فخرو، من مبادرة الشرق الأوسط بجامعة هارفرد، رأت أن القمة مثلت “آلية لإظهار وحدة مجلس التعاون الخليجي في وقت استُهدفت فيه سيادة دولة عضو لأول مرة في التاريخ”. وأضافت أن دول الخليج تسعى إلى استغلال الاجتماع لدفع واشنطن نحو ضبط السلوك الإسرائيلي بعد أن أضعفت الضربات على قطر جهود وقف إطلاق النار.
وفي السياق ذاته، أعلن قادة دول مجلس التعاون أن مجلس الدفاع المشترك سيعقد اجتماعاً عاجلاً في الدوحة لتفعيل آليات “الأمن الجماعي والدفاع المشترك“.
قمة الغضب والفرصة المهدورة
رغم العبارات القوية التي أدان بها القادة العرب “بأشد العبارات” الاعتداء الإسرائيلي، فإن المراقبين اعتبروا أن القمة لم تذهب أبعد من التعبير عن الغضب والتحذير، دون اتخاذ قرارات عملية للضغط على تل أبيب. وتوقع محللون أن أقصى ما قد تسفر عنه هو إعادة تثبيت الخطوط الحمراء التي كانت تجعل دول الخليج بمنأى عن الاستهداف الإسرائيلي، باعتبارها شريكاً استراتيجياً للولايات المتحدة.
قطر بين اختبار الوساطة وضغط الميدان
الدوحة، التي اضطلعت بدور محوري خلال العامين الماضيين مع القاهرة وواشنطن في التوسط لوقف الحرب في غزة، تجد نفسها اليوم أمام اختبار سياسي حرج، بعد فشل جولات التفاوض غير المباشر في التوصل إلى اتفاق دائم، رغم نجاحها في التوصل إلى هدنتين مؤقتتين. وفي كلمته أمام القمة، شدد رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني على أن “ما يشجع إسرائيل على الاستمرار في نهجها هو صمت، بل عجز المجتمع الدولي عن محاسبتها“.
مشاركة إقليمية ودولية رفيعة
حضر القمة عدد من القادة البارزين، بينهم ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، إضافة إلى الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع. حضور هذا الطيف الواسع يعكس إدراكاً جماعياً بأن استهداف قطر يهدد ليس فقط مسار التفاوض في غزة، بل أيضًا التوازنات الإقليمية الأوسع.
ومع أن الرئيس التركي دعا إلى فرض عقوبات اقتصادية على إسرائيل، إلا أنه يواجه اتهامات محلية ودولية بمواصلة التجارة غير المباشرة مع إسرائيل، واستغلال الخطاب التصعيدي ضدها للاستهلاك الداخلي فقط.

