شهدت تركيا في السنوات الأخيرة أزمة متصاعدة في قطاع التعليم العالي، تجلت بوضوح في الأرقام التي كشفت عنها وزارة التعليم استجابةً لسؤال برلماني من النائب عن حزب الشعب الجمهوري سليمان بلبُل، حيث تبين أن مئات الآلاف من الطلاب اضطروا إلى إلغاء تسجيلهم الجامعي بمحض إرادتهم، في مؤشر على عمق التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تعصف بالجيل الشاب.
أرقام صادمة تكشف حجم الأزمة
بحسب الرد الرسمي الصادر عن وزير التعليم يوسف تكين، فإن عدد الطلاب الذين أقدموا على إلغاء قيدهم الجامعي تجاوز سبعمائة ألف خلال السنوات الخمس الأخيرة. وجاءت الإحصاءات السنوية على النحو التالي: أكثر من مائة وخمسين ألف طالب في العام الدراسي الأول من الفترة، تلاه ما يفوق المائة وأربعين ألفاً في العام التالي، ثم نحو مائة واثنين وثلاثين ألفاً في العام الثالث، قبل أن يتراجع الرقم قليلاً إلى نحو مائة وواحد وثلاثين ألفاً، ليقفز مجدداً في العام الدراسي الأخير متجاوزاً مائة وسبعة وخمسين ألفاً.
هذه الأرقام، وفق بلبُل، تمثل “لوحة عار” لتركيا، إذ تكشف أن الطلاب باتوا عاجزين عن الاستمرار في التعليم الجامعي نتيجة سياسات حكومية فاشلة في الاقتصاد والتعليم.
انتقادات المعارضة: السياسات الحكومية مسؤولة
النائب بلبُل أكد أن السبب الجوهري وراء هذه المعضلة هو فشل سياسات حزب العدالة والتنمية الحاكم، الذي يحكم البلاد منذ أكثر من عقدين بثقافة “التجربة والخطأ”. وأشار إلى أن الاقتصاد المتدهور جعل الكثير من الطلاب يتخلون عن طموحاتهم الجامعية، حيث يتردد بعضهم في مغادرة مدنهم الأصلية بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة، بينما يُجبر آخرون على العودة إلى أسرهم بعد تسجيل قصير الأمد في الجامعات.
كما استشهد بإحصاءات هيئة الإحصاء التركية التي تفيد بأن أكثر من ستة ملايين شاب في الفئة العمرية ما بين الخامسة عشرة والرابعة والثلاثين خارج منظومتي التعليم والعمل معاً، ما يعني أن شريحة واسعة من الجيل الصاعد باتت “مفقودة” وفق التعبير الرسمي للهيئة.
أزمة السكن الطلابي وارتفاع تكاليف المعيشة
إحدى المعضلات الكبرى التي تواجه الطلاب تتمثل في ندرة السكن الطلابي الحكومي، إذ لا تكفي قدرته الاستيعابية أعداد المسجلين. أما السكن الخاص فيبدأ إيجاره الشهري من خمسة عشر ألف ليرة، وهو مبلغ يفوق قدرة أغلب الأسر التركية. وتصل أسعار الإيجارات في المدن الكبرى إلى عشرين ألف ليرة أو أكثر، بينما لا يتجاوز دخل العديد من الأسر الحد الأدنى للأجور، في حين يتقاضى المتقاعدون نحو ستة عشر ألفاً وثمانمائة ليرة، ما يجعل تمويل تعليم الأبناء شبه مستحيل.
الشباب بين اليأس والهجرة
وفق بلبُل، فإن هذه الظروف دفعت أعداداً متزايدة من الطلاب إلى الانسحاب من الجامعات، فيما يزداد عدد من يفكر بالهجرة بحثاً عن مستقبل أفضل خارج البلاد. ويؤكد أن الحكومة بسياساتها الحالية “تصادر حق الشباب في التعليم وتدفعهم نحو طريق مسدود”، وهو ما يجعل قضية التعليم مرآة واضحة للأزمة البنيوية في الاقتصاد التركي.

