في خطوة غير مسبوقة، أعلنت تركيا في 20 يوليو 2025 إنهاء اتفاقها التاريخي مع العراق بشأن تشغيل خط أنابيب كركوك-جيهان، على أن يدخل القرار حيّز التنفيذ في27 يوليو 2026، وفق ما نُشر في الجريدة الرسمية ووقعه الرئيس رجب طيب أردوغان.
يُنهي هذا القرار اتفاقًا يعود إلى عام 1973، مكّن العراق من تصدير نفطه الخام من كركوك إلى ميناء جيهان التركي على البحر المتوسط.
الخط البالغ طوله 960 كيلومترًا ظل ركيزة أساسية في التعاون النفطي بين البلدين لعقود، غير أن تعطله لأكثر من عامين نتيجة الخلافات بين بغداد وحكومة إقليم كردستان، إضافة إلى قرار التحكيم الدولي ضد تركيا في 2023، دفع أنقرة إلى إعادة النظر في جدوى استمرار الاتفاق.
خسائر متبادلة: التحكيم الدولي وتجميد الضخ يخلقان فراغًا اقتصاديًا
في مارس 2023، حكمت غرفة التجارة الدولية في باريس على تركيا بدفع1.5 مليار دولار لبغداد، بسبب السماح بتصدير النفط الكردي دون موافقة الحكومة المركزية بين 2014 و2018. ردًا على ذلك، أوقفت أنقرة تشغيل الخط بالكامل.
وقد أدّى هذا الإغلاق إلى خسائر اقتصادية كبيرة للطرفين؛ فالعراق، ثاني أكبر منتج في أوبك بقدرة إنتاجية بلغت 4.4 مليون برميل يوميًا عام 2023، خسر منفذًا استراتيجيًا كان يُمثل حوالي 0.5% من الإمدادات العالمية، بينما خسرت تركيا إيرادات ضخمة من رسوم النقل.
اتفاق مؤقت جديد بين بغداد وأربيل: هل يعيد تشغيل الخط؟
رغم الجمود، توصلت الحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان مؤخرًا إلى اتفاق مؤقت يُتيح تصدير230,000 برميل يوميًا عبر تركيا، وهو ما يمثل بارقة أمل لحل جزئي، خصوصًا في ظل أزمة مالية خانقة في الإقليم. غير أن الخلافات مع شركات النفط الأجنبية العاملة في كردستان لا تزال تعرقل التنفيذ الكامل، في وقت تترقب فيه تركيا نتائج هذه التطورات قبل إعادة تفعيل الخط أو توقيع اتفاق جديد.
مقترح تركي جديد لبغداد يشمل النفط والغاز والكهرباء
في ظل تدهور الاتفاق القديم، قدمت أنقرة مقترحًا جديدًا إلى بغداد يهدف إلى إعادة هيكلة التعاون في قطاعات النفط والغاز والبتروكيماويات والكهرباء، بحسب مصادر من وزارة النفط العراقية.
تسعى تركيا إلى تعزيز استثماراتها في البنية التحتية لخط الأنابيب ضمن إطار أوسع يتماشى مع مشروع “طريق التنمية” الذي يربط البصرة بتركيا ثم أوروبا.هذه الرؤية الجديدة تشمل تحويل ميناء جيهان إلى مركز إقليمي للتكرير والبتروكيماويات، وهو ما يعكس رغبة أنقرة في ترسيخ دورها كممر طاقي محوري في المنطقة.
انتقادات سياسية داخلية: المعارضة التركية تهاجم الحكومة بسبب كلفة النزاع
قرار الإنهاء قوبل بانتقادات شديدة في الداخل التركي. فقد اتهم النائب دنيز يافوز يلماز، مسؤول ملف الطاقة في حزب الشعب الجمهوري، حزب العدالة والتنمية الحاكم بسوء إدارة ملف النفط الكردي، مؤكدًا أن تركيا خسرت صافي مليار دولار نتيجة أحكام التحكيم، بعد خصم 500 مليون دولار طالبت بها أنقرة كرسوم غير مدفوعة.
وحذر يافوز يلماز من أن إلغاء اتفاق 1973 يُضعف الأسس القانونية التي تحمي تركيا من الصادرات غير المصرح بها، مشيرًا إلى إمكانية اتخاذ إجراءات قانونية بحق المسؤولين عن ذلك.
تحليل الخبراء: ضغط دبلوماسي أم استعداد لموجة تحكيم جديدة؟
يرى تحليل نشره ضابط بحري سابق في القوات المسلحة التركية، فاتح يورتسيفير، الذي يستخدم اسمًا مستعارًا لأسباب أمنية، أن القرار التركي يشكل أداة ضغط دبلوماسي لدفع بغداد إلى التنازل عن تعويضات إضافية محتملة تتعلق ببند التجديد التلقائي في الاتفاق، والذي يُلزم أنقرة بدفع مبالغ إضافية حتى 2026.
وبحسب غوكان يارديم، الرئيس السابق لشركة بوتاش، فإن أنقرة تسعى من خلال هذه الخطوة إلى إعادة التفاوض من موقع قوة. فيما وصف علي عارف أكتورك، رئيس قسم الغاز السابق في بوتاش، المفاوضات بين بغداد وأربيل بأنها متعثرة بشدة، خصوصًا بعد تعرض حقول كردستان النفطية لهجمات بطائرات مسيّرة، مما خفض الإنتاج الإقليمي إلى80 ألف برميل يوميًا فقط.
قيود مرتقبة: اتفاق جديد قد يُقصي الإقليم ويقيد صادراته عبر شركة “سومو” الحكومية
يحذر خبراء من أن الاتفاق المستقبلي قد يشترط اقتصار الصادرات النفطية عبر شركة تسويق النفط العراقية “سومو”، ما يُقلص من هامش المناورة لدى إقليم كردستان، ويفرض رقابة حكومية صارمة على الإيرادات والتصدير. في المقابل، دعت الولايات المتحدة إلى تسوية عاجلة لحل الخلافات وتحقيق الاستقرار الاقتصادي وتشجيع الاستثمارات في العراق.
تحديات كبيرة: السياسة والطاقة والتحكيم في سلة واحدة
تواجه تركيا تحديات معقدة لإبرام اتفاق جديد، تشمل:
- صياغة شروط تشغيل عادلة ومتوازنة
- تجاوز الخلافات مع أربيل وشركات النفط الأجنبية
- إدارة تداعيات أحكام التحكيم
- حماية مصالحها الإقليمية وسط تصاعد التوتر في مضيق هرمز
- واستيعاب الانتقادات السياسية الداخلية
ورغم إحراز تقدم في تنويع واردات الطاقة واستقلال الطاقة المحلي، إلا أن أنقرة لا تزال عرضة لمخاطر جيوسياسية وتحكيمية متزايدة، وفقا لتحليل فاتح يورتسيفير، الذي نشره موقع “توركيش مينوت”.

