أصدرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان (AİHM)، ومقرها مدينة ستراسبورغ، يوم الثلاثاء قراراً جديداً يدين تركيا بانتهاك الحق في احترام الحياة الخاصة والعائلية، وذلك في سياق تعامل السلطات مع القضاة وأعضاء النيابة العامة بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو 2016، التي تصفها المعارضة بـ”المدبرة” من قبل الحكومة لإجراء حركة الصفية والتحليل الشاملة المخططة مسبقا.
القرار صدر في قضية “أتشا وتشليبى ضد تركيا”، التي قدمها كل من المدعية العامة هوليا أتشا والقاضية أمينه سلمى تشليبي، على خلفية مداهمات أمنية استهدفت منزليهما في 16 و17 يوليو 2016، تزامناً مع توقيفهما عقب محاولة الانقلاب.
الانتهاك: مداهمات مخالفة للدستور والقانون الوطني
استندت المحكمة إلى القانون التركي نفسه، وتحديداً المادة 88 من قانون القضاة والمدعين العامين رقم 2802، الذي يقيّد صلاحية تفتيش منازل القضاة والمدعين العامين بحالات التلبّس (الجرم المشهود).
وأشارت المحكمة إلى أن السلطات التركية أعادت تفسير مفهوم “الجرم المشهود” بشكل فضفاض ليشمل ما سمته “الجريمة المستمرة”، وهو ما رأت فيه المحكمة انتهاكاً صارخاً لمبدأ “اليقين القانوني”.
وأكدت المحكمة أن هذا التأويل الواسع ألغى الحماية القانونية للقضاة، وقوّض الضمانات الدستورية الخاصة بالخصوصية وحرمة المساكن، وبالتالي يشكّل خرقاً واضحاً للمادة 8 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.
التعويض ورفض مزاعم أخرى
بناء على هذه الخروقات، حكمت المحكمة بتعويض كل من أتشا وتشليبي بمبلغ 2000 يورو لكل منهما كتعويض معنوي.
لكنها رفضت شكاوى المتقدمتين المتعلقة بانتهاك الحق في الحرية والأمان (المادة 5). إذ رأت المحكمة أن المدعية العامة حصلت على معلومات كافية حول ملفها، أما القاضية فتمت مواجهتها بالقيود بعد انتهاء فترة الاحتجاز وليس خلالها، ما يجعل تلك الادعاءات “غير مؤسسة قانونياً”.
سياق أوسع: عشرات القرارات المماثلة وتكرار الاتهامات
هذا القرار يأتي ضمن سلسلة طويلة من الأحكام الصادرة عن المحكمة الأوروبية ضد تركيا، تخص القضاة وأعضاء النيابة العامة الذين تم توقيفهم أو فصلهم من مناصبهم بعد 15 يوليو. وقد بلغ عدد من تمّت إدانتهم من قبل المحكمة الأوروبية بسبب انتهاكات قانونية في إجراءات التوقيف الأولي فقط أكثر من 2000 شخص.
وفي قرارات سابقة بحق قضاة بارزين مثل أردال ترجان وهاكان باش، وجدت المحكمة أيضاً أن السلطات التركية أساءت استخدام مبدأ “الجرم المشهود” لتجاوز الحصانات القانونية الممنوحة للقضاة، وهو ما أكّدته المحكمة مجدداً في هذا الحكم الأخير.
دلالة قانونية وسياسية: تجاوز النظام القضائي التركي لدستوره
يوجّه القرار رسالة قانونية واضحة مفادها أن السلطات التركية لم تكتفِ بانتهاك الاتفاقية الأوروبية، بل خالفت حتى تشريعاتها الوطنية، عبر تأويل تعسفي للنصوص القانونية لحالات التلبّس. وهو ما تعتبره المحكمة مؤشراً على انهيار الضمانات القانونية التي تحكم العلاقة بين الدولة وأجهزتها الأمنية من جهة، والمواطنين – بمن فيهم القضاة – من جهة أخرى.
ويؤكد القرار أن ما جرى بعد 15 يوليو 2016 لم يكن مجرد استجابة طارئة لمحاولة انقلابية “مزعومة”، بل انزلاقاً ممنهجاً نحو تقويض السلطة القضائية وتسييس عمل النيابة والمحاكم.

