أثار اعتقال رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، أحد أبرز خصوم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، اضطرابات في الأسواق المالية، مما زاد المخاوف من أن تؤدي الأزمة السياسية إلى زعزعة الاستقرار الاقتصادي في البلاد. فالتوترات الناجمة عن هذا الاعتقال دفعت المستثمرين إلى إعادة تقييم المخاطر، الأمر الذي قد يهدد التعافي الهش الذي شهدته تركيا في الأشهر الأخيرة.
رد فعل الأسواق والتداعيات الاقتصادية
تسبب خبر اعتقال إمام أوغلو، الذي اعتقل في 19 مارس بتهم تتعلق بالفساد والإرهاب قبل أن يصدر أمر قضائي باحتجازه بعد أربعة أيام، في تراجع حاد في الأسواق المالية. فقد شهدت الليرة التركية انخفاضًا سريعًا، بينما سجل مؤشر بورصة إسطنبول تراجعًا بنسبة 9% في يوم واحد، وهو أسوأ انخفاض يومي له منذ سنوات. وبحلول نهاية الأسبوع، فقد المؤشر أكثر من 16% من قيمته، ما أدى إلى خسائر بمليارات الدولارات.
وكانت أسهم البنوك الأكثر تضررًا، وسط تصاعد المخاوف من هروب رؤوس الأموال وارتفاع المخاطر السياسية، وهو ما دفع المستثمرين إلى بيع الأصول التركية خوفًا من تفاقم حالة عدم اليقين السياسي.
محاولات احتواء الأزمة من قبل البنك المركزي
تدخل البنك المركزي التركي بقوة لوقف تدهور سعر الصرف، حيث ضخّ نحو 25 مليار دولار من احتياطياته النقدية في غضون ثلاثة أيام، وهو ما يمثل ما يقارب 40% من احتياطياته الصافية التي تراكمت منذ منتصف عام 2023. ورغم هذا التدخل، لم يتمكن البنك من وقف تراجع الليرة بالكامل، إذ انخفضت بنسبة 3.5% مقارنة بمستواها قبل الأزمة.
وإلى جانب ذلك، ارتفعت عقود مقايضة الائتمان الافتراضي (CDS)، التي تعكس مخاطر التخلف عن سداد الديون السيادية، إلى أكثر من 300 نقطة أساس، كما ارتفعت عوائد السندات الحكومية، مما يعكس زيادة القلق بين المستثمرين الدوليين.
وفي هذا السياق، حذر فاتح أوزاتاي، نائب محافظ البنك المركزي السابق، من أن تفاقم الأزمة قد يؤدي إلى موجة جديدة من التضخم وركود اقتصادي حاد، موضحًا أن الشركات المثقلة بالديون بالعملات الأجنبية ستتضرر بشدة، وهو ما قد يؤدي إلى ارتفاع معدلات البطالة وتراجع النمو الاقتصادي.
تصريحات المسؤولين وردود الفعل السياسية
في محاولة لطمأنة الأسواق، عقد البنك المركزي اجتماعًا مع ممثلي اتحاد البنوك التركية يوم الأحد، حيث أكد المحافظ فاتح كراهان أن جميع الإجراءات اللازمة سيتم اتخاذها وفقًا لقواعد السوق.
أما وزير الخزانة والمالية، محمد شيمشك، الذي واجه شائعات عن استقالته، فقد أكد عبر وسائل التواصل الاجتماعي أن الحكومة ملتزمة بضمان استقرار الأسواق المالية. من جانبه، شدد نائب الرئيس جودت يلماز على أن الاقتصاد التركي ما زال يتمتع بأسس قوية، وأن البرامج الاقتصادية ستستمر دون تغيير.
انعكاسات الأزمة على مستقبل تركيا الاقتصادي
رغم تطمينات الحكومة، يرى العديد من الخبراء أن الأزمة الراهنة أدت إلى زعزعة الثقة في الاقتصاد التركي، مما قد يؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم ويدفع البنك المركزي إلى إعادة النظر في سياساته النقدية، وربما اللجوء إلى رفع أسعار الفائدة مجددًا لكبح جماح التضخم المتصاعد.
الباحثة الاقتصادية سيلفا دميرالب، من جامعة كوتش، أوضحت في تصريحات لهيئة الإذاعة البريطانية (BBC) أن الاقتصاد التركي دفع ثمناً باهظًا خلال العامين الماضيين بسبب السياسات النقدية التقشفية التي فرضت معدلات فائدة مرتفعة وتسببت في تباطؤ النمو. لكنها أشارت إلى أن المكاسب المحدودة التي تحققت من هذه السياسات قد تتلاشى نتيجة الأزمة السياسية الأخيرة.
أما الخبير الاقتصادي أيكوت لنغر، فقد أشار إلى أن المستثمرين الأجانب كانوا بالفعل في حالة حذر تجاه الاقتصاد التركي، لكن اعتقال إمام أوغلو زاد من صعوبة استعادة ثقتهم. وأضاف: “لو تم الإفراج عنه، لكان بالإمكان تخفيف حدة القلق، لكن استمرار اعتقاله يفاقم المخاوف.”
انعكاسات الأزمة على الانتخابات المقبلة
يأتي هذا التصعيد في توقيت حساس، إذ تستعد تركيا لإجراء انتخابات حاسمة، ما يجعل اعتقال إمام أوغلو حدثًا ذا تداعيات سياسية كبيرة. فقد تحولت القضية إلى اختبار لقوة المعارضة، خاصة مع إعلان حزب الشعب الجمهوري (CHP) أنه سيخوض الانتخابات الرئاسية بمرشح واحد، اختير عبر تصويت داخلي شارك فيه 15 مليون ناخب لدعم إمام أوغلو.
وفي خطاب أمام حشود من المتظاهرين في ساحة سراي خانه بإسطنبول، انتقد زعيم حزب الشعب الجمهوري، أوزغور أوزيل، الحكومة بشدة، مشيرًا إلى أن أردوغان “أنفق احتياطيات النقد الأجنبي بدافع الخوف من إمام أوغلو.”
من جهة أخرى، حذرت وكالة التصنيف الائتماني “ستاندرد آند بورز” من أن الأزمة السياسية قد تؤثر على ثقة المستثمرين في الاقتصاد التركي، مشيرة إلى أن تداعياتها على الاستهلاك المحلي وتدفق رؤوس الأموال قد تكون خطيرة.
أما فاتح أوزاتاي، فقد ذهب إلى أبعد من ذلك، حيث رسم صورة قاتمة للمستقبل الاقتصادي التركي، متوقعًا سيناريو من التقلبات المستمرة، تتخلله فترات قصيرة من النمو يتبعها ركود، مع بقاء معدلات التضخم ضمن نطاق 25-35%، وهو ما قد يعتبر “نجاحًا” مقارنة بما هو متوقع في ظل الظروف الحالية.
مستقبل الاقتصاد التركي في ظل الأزمة السياسية
مع استمرار الاحتجاجات وتصاعد حالة عدم اليقين السياسي، يبدو أن الاقتصاد التركي مقبل على مرحلة من الاضطرابات، حيث ستعتمد قدرة الحكومة على احتواء الأزمة على مدى نجاحها في استعادة ثقة المستثمرين، وتهدئة الأوضاع السياسية.
وفي ظل ترقب الأسواق لأي إشارة لحل سياسي للأزمة، يظل العامل الحاسم هو ما إذا كانت الحكومة قادرة على تحقيق الاستقرار دون التضحية بالمناخ الديمقراطي، وهو أمر لا يزال محل شك لدى العديد من المراقبين. وكما قالت دميرالب: “الاقتصاد يقوم على الثقة والاستقرار، والأزمة السياسية الحالية ألحقت ضررًا بالغًا بهذه البيئة.”

