كشفت تركيا عن رغبتها في لعب دور مباشر في الترتيبات الأمنية التي ستلي انتهاء مهمة قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، في خطوة تعكس سعي أنقرة إلى توسيع حضورها في معادلات الأمن الإقليمي، بالتزامن مع التحولات المتسارعة التي يشهدها لبنان وجنوبه بعد الحرب الأخيرة بين إسرائيل وحزب الله.
وجاء الإعلان على لسان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال مؤتمر صحفي مشترك مع الرئيس اللبناني جوزيف عون في العاصمة أنقرة، حيث أكد أن بلاده ترغب في المشاركة في جميع المبادرات الدولية التي ستُبحث عقب انتهاء مهمة اليونيفيل، بما يساهم في حفظ الأمن جنوب لبنان وصون سيادة الدولة اللبنانية.
وقال أردوغان إن انتهاء مهمة القوة الدولية يمثل محطة مفصلية تستوجب البحث عن آليات جديدة لضمان الاستقرار، مشددًا على أن تركيا مستعدة للمساهمة في أي ترتيبات دولية سيتم الاتفاق عليها، إلى جانب استمرار دعمها للقوات المسلحة اللبنانية.
نهاية مهمة «اليونيفيل» تفتح الباب أمام ترتيبات جديدة
تأتي التصريحات التركية في وقت تستعد فيه الأمم المتحدة لإنهاء واحدة من أطول بعثات حفظ السلام في العالم.
وكان مجلس الأمن الدولي قد قرر في أغسطس/آب 2025 تمديد ولاية قوات اليونيفيل للمرة الأخيرة، محددًا 31 ديسمبر/كانون الأول 2026 موعدًا لانتهاء مهمتها، على أن تبدأ بعد ذلك عملية انسحاب منظمة ومنسقة للقوة الدولية.
وتأسست اليونيفيل عام 1978 عقب الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان، بهدف الإشراف على الانسحاب الإسرائيلي والمساعدة في استعادة الأمن والاستقرار في المنطقة الحدودية.
وفي أعقاب حرب يوليو/تموز 2006 بين إسرائيل وحزب الله، جرى توسيع صلاحيات القوة الدولية لتشمل مراقبة وقف الأعمال العدائية ودعم انتشار الجيش اللبناني في الجنوب، لتصبح إحدى الركائز الأساسية للاستقرار على طول الخط الأزرق.
ويبلغ قوام القوة حاليًا نحو 7500 جندي من عشرات الدول المشاركة.
غموض يحيط بالقوة التي ستخلف «اليونيفيل»
رغم اقتراب موعد انتهاء مهمة القوة الدولية، لا تزال طبيعة الترتيبات الأمنية البديلة غير محسومة.
وتدرس الأمم المتحدة، بالتشاور مع الأطراف الدولية والإقليمية، عدة سيناريوهات لضمان استمرار الاستقرار في جنوب لبنان بعد انسحاب اليونيفيل، إلا أن النقاش لا يزال مفتوحًا بشأن ما إذا كانت القوة البديلة ستعمل تحت مظلة الأمم المتحدة، أم سيتم تشكيلها عبر إطار دولي أو متعدد الأطراف خارج المنظومة الأممية.
وتعد كل من فرنسا وإيطاليا من بين الدول التي أبدت استعدادها للمشاركة في أي ترتيبات أمنية مستقبلية، فيما يشكل إعلان تركيا رغبتها في الانضمام إلى هذه الجهود مؤشرًا على اتساع دائرة المنافسة الدولية على صياغة مرحلة ما بعد اليونيفيل.
المبادرة التركية في ظل واقع أمني هش
يأتي الطرح التركي في توقيت بالغ الحساسية، إذ لا يزال لبنان يحاول تجاوز تداعيات الحرب الأخيرة بين إسرائيل وحزب الله، والعمل على تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه بوساطة أمريكية.
وينص الاتفاق على انسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التي سيطرت عليها داخل الأراضي اللبنانية، مقابل تنفيذ خطوات تتعلق بنزع سلاح حزب الله في تلك المناطق وتعزيز انتشار الجيش اللبناني.
إلا أن تنفيذ الاتفاق ما زال يواجه تحديات ميدانية وسياسية، في ظل استمرار الغارات الإسرائيلية المتفرقة والخلافات حول آليات تنفيذ بنوده، الأمر الذي يجعل مستقبل الاستقرار في الجنوب مرتبطًا إلى حد كبير بنجاح الترتيبات الأمنية الجديدة.
حرب مدمرة خلّفت آلاف الضحايا
اندلعت الجولة الأخيرة من المواجهة العسكرية في 2 مارس/آذار، عندما أطلق حزب الله صواريخ باتجاه إسرائيل عقب الضربات الأمريكية والإسرائيلية التي استهدفت إيران.
وردت إسرائيل بحملة جوية واسعة أعقبها توغل بري داخل جنوب لبنان، لتدخل المنطقة في واحدة من أكثر جولات التصعيد عنفًا خلال السنوات الأخيرة.
ووفق البيانات اللبنانية والأممية، أسفرت الحرب عن مقتل أكثر من أربعة آلاف شخص، كما أجبرت نحو 1.2 مليون لبناني على النزوح من مناطقهم.
ورغم دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في يونيو/حزيران، فإن التوتر لم ينتهِ بالكامل، إذ استمرت الضربات الإسرائيلية المحدودة، إلى جانب استمرار الخلافات بشأن تنفيذ الالتزامات الواردة في الاتفاق.
أردوغان: دعم للبنان عسكريًا وإنسانيًا وإعادة الإعمار
وخلال المؤتمر الصحفي، أوضح أردوغان أن مباحثاته مع الرئيس اللبناني تناولت التطورات الإقليمية، وفي مقدمتها استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في أجزاء من جنوب لبنان.
وأكد أن تركيا ستواصل دعم الجيش اللبناني باعتباره المؤسسة الشرعية المسؤولة عن حفظ الأمن، كما أبدى استعداد بلاده للمساهمة في إعادة إعمار المناطق التي تضررت جراء الهجمات الإسرائيلية، إلى جانب مواصلة تقديم المساعدات الإنسانية والدعم الفني للبنان.
ووصف لبنان بأنه دولة شقيقة دفعت ثمنًا باهظًا نتيجة تحوله، على مدى سنوات، إلى ساحة لتنافس القوى الإقليمية وصراعاتها، معتبرًا أن استقرار الشرق الأوسط وتوسيع مجالات التعاون الإقليمي سيجعلان لبنان من أبرز المستفيدين.
دعوة لتعزيز العلاقات اللبنانية السورية
ولم تقتصر المباحثات على الملف الأمني، إذ شدد الرئيس التركي على أهمية تطوير الحوار بين لبنان وسوريا، معتبرًا أن تحسين العلاقات بين البلدين سيحقق مكاسب مشتركة على المستويات الأمنية والاقتصادية والسياسية.
وأكد استعداد أنقرة لتقديم أي دعم أو مساهمة من شأنها تسهيل هذا المسار وتعزيز الاستقرار الإقليمي.
الرئيس اللبناني: هدفنا دولة واحدة وسلاح واحد
من جانبه، أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أن الحكومة اللبنانية تواصل العمل من أجل استكمال الانسحاب الإسرائيلي من جميع الأراضي اللبنانية، وتأمين عودة النازحين إلى مناطقهم، وإطلاق عملية إعادة الإعمار، إلى جانب إنعاش الاقتصاد الذي تعرض لخسائر كبيرة خلال الحرب.
وشدد عون على أن الدولة اللبنانية تسعى إلى بسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية تحت مظلة جيش واحد وسلطة واحدة، في إشارة واضحة إلى الجهود الرامية إلى حصر السلاح بيد الدولة ونزع سلاح حزب الله تنفيذًا للترتيبات الأمنية الجديدة.
وأكد أن لبنان يعمل على تحقيق هذه الأهداف مع الحفاظ على كرامته الوطنية، مضيفًا أن بلاده لن تسمح لأي جهة، سواء كانت دولة شقيقة أو صديقة أو أي طرف آخر، بالتدخل في سيادتها أو فرض إرادتها على القرار اللبناني.
صفحة جديدة في العلاقات التركية اللبنانية
وأعرب الرئيس اللبناني عن تقديره للدعم الذي تقدمه تركيا للجيش اللبناني، ولدورها ضمن قوات اليونيفيل طوال السنوات الماضية، معتبراً أن زيارته إلى أنقرة تمثل بداية مرحلة جديدة في العلاقات الثنائية بين البلدين.
وتكتسب الزيارة أهمية خاصة، إذ تعد أول زيارة يقوم بها رئيس لبناني إلى تركيا على مستوى رؤساء الدول منذ سبعة عشر عامًا، وهو ما يعكس رغبة الجانبين في فتح صفحة جديدة من التعاون السياسي والأمني والاقتصادي.
أنقرة تبحث عن موطئ قدم في معادلة شرق المتوسط
تعكس المبادرة التركية تحركًا يتجاوز البعد اللبناني الداخلي، إذ تأتي ضمن سياسة تركية أوسع تهدف إلى تعزيز حضور أنقرة في ملفات الأمن الإقليمي، مستفيدة من التحولات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط بعد سلسلة من الحروب وإعادة رسم موازين القوى.
ويبدو أن تركيا تسعى إلى توظيف علاقاتها المتوازنة مع مؤسسات الدولة اللبنانية، ودعمها المستمر للجيش اللبناني، لتقديم نفسها شريكًا مقبولًا في أي ترتيبات أمنية مستقبلية، خاصة إذا تم إنشاء قوة دولية جديدة لا تقتصر المشاركة فيها على الدول الأوروبية التقليدية.
وفي المقابل، يبقى نجاح هذا الطرح مرهونًا بتوافقات دولية وإقليمية معقدة، تشمل الأمم المتحدة والدول الغربية وإسرائيل ولبنان، فضلًا عن طبيعة التفاهمات المتعلقة بمستقبل سلاح حزب الله وآليات حفظ الأمن على الحدود الجنوبية، وهي ملفات لا تزال مفتوحة ولم تُحسم بعد.

