عاد ملف محاولة الانقلاب الغامضة التي شهدتها تركيا في الخامس عشر من يوليو/تموز 2016 إلى واجهة النقاش السياسي والقانوني، بعد إقرار رسمي من البرلمان التركي بأن لجنة التحقيق البرلمانية التي شُكلت عقب الأحداث لم تُنتج تقريراً نهائياً يتمتع بالصفة القانونية، ولم يجرِ اعتماده أو نشره وفق الإجراءات البرلمانية المعمول بها.
ويكتسب هذا التطور أهمية استثنائية، لأنه يتعلق بالوثيقة التي كان يُفترض أن تمثل الرواية المؤسسية الرسمية للبرلمان بشأن واحدة من أخطر المحطات في تاريخ الجمهورية التركية الحديث، في وقت استندت فيه السلطات، طوال السنوات الماضية، إلى مسؤولية حركة الخدمة عن المحاولة الانقلابية كأساس لسلسلة واسعة من الإجراءات القضائية والإدارية.
رد رسمي من رئاسة البرلمان
جاء هذا الإقرار في رد كتابي مؤرخ في الخامس عشر من يونيو/حزيران، وقعه نائب رئيس البرلمان التركي بكر بوزداغ، رداً على سؤال برلماني تقدم به النائب عمر فاروق كركرلي أوغلو، عضو حزب الديمقراطية والمساواة الشعوب المؤيد للأكراد (DEM)، الذي طالب بتوضيح أسباب عدم نشر تقرير لجنة التحقيق وعدم عرضه على البرلمان للمناقشة والتصويت.
وأوضح بوزداغ أن الوثيقة التي أُعدت في نهاية أعمال اللجنة لم تُنشر قط بوصفها وثيقة برلمانية رسمية، كما أنها فقدت أثرها القانوني بانتهاء الدورة التشريعية التي شُكلت خلالها اللجنة، الأمر الذي يجعل استكمال إجراءاتها أو إعادة طرحها في الدورة الحالية أمراً غير ممكن وفق النظام الداخلي للبرلمان.
وأشار الرد أيضاً إلى أن البرلمان سبق أن أعلن، في مناسبات سابقة، عدم وجود نص حظي بإجماع أعضاء اللجنة واستوفى الشروط القانونية اللازمة ليُعد تقريراً رسمياً صادراً عن لجنة تحقيق برلمانية.
لجنة تشكلت بعد الانقلاب وانتهت دون مخرجات قانونية
أُنشئت لجنة التحقيق البرلمانية في السادس والعشرين من يوليو/تموز 2016، أي بعد أقل من أسبوعين على محاولة الانقلاب، وبدأت أعمالها رسمياً في الرابع من أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه.
واستمرت اللجنة في عملها حتى انتهاء ولايتها في الرابع من يناير/كانون الثاني 2017.
وبعد عدة أشهر، وتحديداً في الثاني عشر من يوليو/تموز 2017، أعلن رئيس اللجنة، نائب حزب العدالة والتنمية رشاد بيتك، أنه سلّم تقرير اللجنة إلى رئاسة البرلمان.
غير أن هذا الإعلان لم ينهِ الجدل، بل فتح باب أزمة جديدة داخل اللجنة نفسها.
خلافات حادة داخل لجنة التحقيق
بعد يومين فقط من تقديم التقرير، أعلن أعضاء اللجنة المنتمون إلى حزب الشعب الجمهوري (CHP) رفضهم للوثيقة المقدمة، مؤكدين أن النسخة التي أُرسلت إلى البرلمان تختلف بصورة جوهرية عن النص الذي اطلع عليه أعضاء اللجنة أثناء المناقشات.
واتهم نواب المعارضة القائمين على التقرير بإجراء تعديلات وإضافات واسعة تجاوزت حدود التحرير اللغوي أو الصياغة الفنية، مشيرين إلى أنهم لم يُمنحوا فرصة لمراجعة النص المعدل أو إبداء ملاحظاتهم عليه قبل إرساله إلى البرلمان.
ولم يتمكن البرلمان من حسم هذا الخلاف قبل انتهاء الدورة التشريعية وبدء دورة جديدة في الرابع والعشرين من يونيو/حزيران 2018.
وبموجب النظام الداخلي للمجلس، فإن لجان التحقيق التي لا تُستكمل إجراءاتها قبل انتهاء الدورة التشريعية تُعد منتهية قانوناً، وتسقط جميع الإجراءات المتعلقة بها.
تأكيد رسمي سابق بعدم وجود تقرير معتمد
لم يكن الرد الأخير هو أول اعتراف رسمي بهذه الإشكالية.
ففي عام 2022، أصدر البرلمان بياناً أوضح فيه أنه لا يوجد تقرير حظي بموافقة أعضاء اللجنة واكتسب الصفة القانونية كتقرير تحقيق برلماني.
وأضاف البيان أن محاضر جلسات الاستماع التي عقدتها اللجنة لا تزال متاحة للرأي العام، إلا أن اللجنة لم تُنتج تقريراً رسمياً يمكن اعتماده أو اتخاذ إجراءات برلمانية بناء عليه.
سؤال برلماني جديد أعاد القضية إلى الواجهة
وفي الثلاثين من أبريل/نيسان 2026، أعاد النائب عمر فاروق كركرلي أوغلو فتح الملف عبر سؤال برلماني جديد، استفسر فيه عن مصير التقرير وأسباب عدم نشره رسمياً طوال السنوات الماضية.
وجاء الرد الذي وقعه نائب رئيس البرلمان ليؤكد مجدداً أن التقرير لم يكتسب أي صفة قانونية، وأن البرلمان لا يستطيع اتخاذ أي إجراء بشأنه بعد انتهاء الدورة التشريعية التي شُكلت خلالها اللجنة.
محامٍ يدعو إلى استخدام الاعتراف أمام المحاكم
وفي أعقاب نشر المراسلات البرلمانية، تداول المحامي توران جان بولاط نسخاً من الوثائق عبر منصات التواصل الاجتماعي، معتبراً أن ما ورد فيها يحمل آثاراً قانونية بالغة الأهمية.
ورأى أن غياب تقرير برلماني رسمي يعني أن البرلمان التركي لم يعتمد قانونياً أي استنتاج نهائي يحدد الجهة المسؤولة عن محاولة الانقلاب.
ودعا إلى تقديم هذه الوثائق ضمن الملفات المنظورة حالياً أمام محكمة التمييز التركية والمحكمة الدستورية، إضافة إلى استخدامها في القضايا المعروضة أمام الهيئات القضائية الدولية، وعلى رأسها المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.
حملة قضائية واسعة مستمرة منذ عقد
يأتي هذا الجدل في وقت تؤكد فيه الحكومة التركية استمرار ملاحقة الأشخاص الذين تتهمهم بالانتماء إلى حركة الخدمة، التي تتهمها أنقرة بالوقوف وراء محاولة الانقلاب.
وكان وزير العدل أكين غورلك قد أعلن خلال الشهر الجاري أن السلطات اتخذت إجراءات قانونية بحق 720 ألفاً و580 شخصاً بتهم تتعلق بالانتماء إلى الحركة، فيما صدرت أحكام بالإدانة بحق 127 ألفاً و102 شخص.
وأوضح الوزير كذلك أن جميع المحاكمات البالغ عددها 289 قضية المتعلقة بالمشاركة المباشرة في محاولة الانقلاب قد انتهت، مع استمرار نظر بعض الطعون أمام المحاكم العليا.
وتشمل هذه الأرقام القضايا المرتبطة مباشرة بمحاولة الانقلاب، إضافة إلى آلاف القضايا الأخرى المتعلقة بالاتهام بالانتماء إلى الحركة.
خلفية الأزمة بين الحكومة وحركة الخدمة
تعود جذور الصراع بين الحكومة التركية وحركة الخدمة إلى ديسمبر/كانون الأول 2013، عندما طالت تحقيقات فساد وزراء ومسؤولين مقربين من الرئيس رجب طيب أردوغان، إضافة إلى أفراد من دائرته المقربة.
واعتبر أردوغان آنذاك أن تلك التحقيقات تمثل مؤامرة تقودها الحركة، قبل أن تصنفها الحكومة في مايو/أيار 2016 قبيل الانقلاب المزعوم منظمة إرهابية.
وبعد محاولة الانقلاب في يوليو/تموز من العام نفسه، وسعت السلطات حملة الاعتقالات والفصل من الوظائف العامة وإغلاق المؤسسات المرتبطة بالحركة، متهمة إياها بتدبير المحاولة الانقلابية.
في المقابل، تنفي الحركة بصورة متواصلة أي دور لها في محاولة الانقلاب أو ممارسة أي نشاط إرهابي، وتؤكد أن الاتهامات الموجهة إليها ذات دوافع سياسية.
جدل مستمر حول الرواية الرسمية
ما زالت محاولة الانقلاب تمثل أحد أكثر الملفات إثارة للانقسام داخل تركيا.
فبينما تؤكد الحكومة أن المسؤولية عن المحاولة حُسمت قضائياً وسياسياً، يرى منتقدون أن غياب تقرير برلماني معتمد يثير أسئلة قانونية حول الرواية المؤسسية الرسمية للأحداث، خاصة أن البرلمان، بوصفه أعلى سلطة تشريعية في البلاد، لم يعتمد حتى اليوم وثيقة نهائية تمثل خلاصة تحقيقه الخاص.
كما يستمر الجدل في الأوساط الحقوقية والدولية بشأن مدى توافق الإجراءات الواسعة التي اتخذتها السلطات بعد عام 2016 مع معايير المحاكمة العادلة وسيادة القانون، وهو ملف ما يزال مطروحاً أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان وعدد من الهيئات الدولية.
دلالات
يحمل الاعتراف البرلماني الأخير أبعاداً قانونية وسياسية تتجاوز مسألة تقرير لم يُنشر، إذ يعيد تسليط الضوء على العلاقة بين التحقيقات البرلمانية والإجراءات القضائية في القضايا ذات الطابع الوطني الكبير.
فمن الناحية القانونية، يميز الرد البرلماني بين عدم وجود تقرير برلماني مكتمل الإجراءات وبين استمرار الأحكام القضائية الصادرة عن المحاكم التركية، وهو ما يعني أن الاعتراف لا يُبطل تلقائياً الأحكام القضائية أو يغيّر الوضع القانوني للقضايا المنظورة، لكنه يثير نقاشاً حول غياب وثيقة برلمانية رسمية توثق نتائج تحقيق المؤسسة التشريعية في تلك الأحداث.
أما سياسياً، فمن المرجح أن يعيد هذا التطور تنشيط الجدل الداخلي والدولي بشأن أحداث يوليو/تموز 2016، ولا سيما مع استمرار عرض ملفات مرتبطة بها أمام القضاء التركي والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، في وقت تتمسك فيه الحكومة بأن القضاء مستقل وأن مسؤولية المتهمين ثبتت عبر مسارات قضائية منفصلة عن عمل لجنة التحقيق البرلمانية.

