منحت مؤسسة إيمانويل كانت الألمانية رئيس بلدية إسطنبول المعتقل أكرم إمام أوغلو وزوجته دليك إمام أوغلو جائزة “كانت للمواطن العالمي”، تقديرًا لما وصفته المؤسسة بـ”التزامهما بالديمقراطية وسيادة القانون ومواجهة الضغوط السياسية والفساد”.
وجرى تسليم الجائزة خلال مراسم أقيمت في جامعة ألبرت لودفيغ بمدينة فرايبورغ الألمانية في التاسع من مايو/أيار، بالتزامن مع “يوم أوروبا”، في حدث حمل أبعادًا سياسية وحقوقية تتجاوز الطابع الرمزي للجائزة.
وتسلّم الجائزة نيابة عن الزوجين النائب البرلماني عن حزب الشعب الجمهوري غوكهان غونايدن، والذي يشغل أيضًا منصب نائب رئيس الكتلة البرلمانية للحزب المعارض.
حضور ألماني رفيع ورسائل سياسية ضمنية
قام الرئيس الألماني السابق كريستيان فولف بتقديم الجائزة خلال الحفل، الذي شهد حضور شخصيات سياسية ألمانية وأوروبية بارزة، من بينها مسؤولون من الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني، إضافة إلى رئيس بلدية فرايبورغ مارتن هورن، وممثلين عن تنظيمات حزب الشعب الجمهوري التركي في ألمانيا.
واعتبر مراقبون أن توقيت التكريم ومضمونه يحملان رسائل سياسية واضحة مرتبطة بالقلق الأوروبي المتزايد بشأن وضع الديمقراطية واستقلال القضاء في تركيا، خاصة في ظل استمرار اعتقال إمام أوغلو وتصاعد الضغوط على المعارضة التركية.
إمام أوغلو في قلب المواجهة السياسية التركية
يُعد أكرم إمام أوغلو أبرز شخصية معارضة في تركيا خلال السنوات الأخيرة، كما يُنظر إليه باعتباره المنافس الأكثر جدية للرئيس رجب طيب أردوغان في أي انتخابات رئاسية مقبلة.
وكان إمام أوغلو قد دخل السجن الاحتياطي منذ مارس/آذار 2025 على خلفية اتهامات تشمل الفساد و”التجسس السياسي”، وهي الاتهامات التي ينفيها بشكل كامل، بينما يعتبرها حزب الشعب الجمهوري ومنظمات حقوقية جزءًا من حملة سياسية تهدف إلى إقصائه من السباق الرئاسي.
وجاء اعتقاله بعد فترة قصيرة من إعلان الحزب رسميًا ترشيحه للانتخابات الرئاسية المقبلة، الأمر الذي أدى إلى اندلاع احتجاجات واسعة في عدة مدن تركية، وسط تصاعد الانتقادات الدولية للحكومة التركية.
المؤسسة الألمانية: التكريم دفاع عن الديمقراطية وسيادة القانون
أوضحت مؤسسة كانت أن اختيار إمام أوغلو وزوجته جاء بسبب “موقفهما الداعم للديمقراطية، ودفاعهما عن دولة القانون، ورفضهما للفساد والضغوط السياسية”.
كما أكدت المؤسسة أن الجائزة لهذا العام حملت شعار: “المرونة بدلًا من جنون العظمة، وسيادة القانون الديمقراطية بدلًا من تشويه القانون على الطريقة السلطوية”.
ويرى متابعون أن هذا الشعار عكس بصورة غير مباشرة انتقادات أوروبية متزايدة للنهج السياسي والقضائي في تركيا، خصوصًا فيما يتعلق بالتعامل مع المعارضة والسلطات المحلية المنتخبة.
شخصيات ومؤسسات أخرى ضمن قائمة المكرّمين
لم يقتصر التكريم هذا العام على إمام أوغلو وزوجته، بل شمل أيضًا السياسي الألماني فرانك شفابه، وهو أحد المسؤولين البارزين في الحكومة الفيدرالية الألمانية وعضو الحزب الاشتراكي الديمقراطي، تقديرًا لعمله في مجالات حقوق الإنسان وتعزيز الهياكل الديمقراطية ومكافحة الفساد.
كما ضمت قائمة المكرّمين مركز “أنبروكن” لإعادة التأهيل في مدينة لفيف الأوكرانية، الذي يقدم خدمات علاج وتأهيل لجرحى الحرب الروسية الأوكرانية المستمرة.
جائزة تحمل إرث الفيلسوف إيمانويل كانت
منذ عام 2004، تمنح مؤسسة كانت جوائزها لشخصيات ومبادرات تنشط في مجالات الديمقراطية وسيادة القانون والسلام وحقوق الإنسان، استنادًا إلى الإرث الفلسفي للمفكر الألماني إيمانويل كانت.
وسبق أن حصل على الجائزة قضاة وصحفيون ومخرجون وناشطون حقوقيون من دول مختلفة، من بينهم رئيسة المحكمة العليا البولندية السابقة مالغورزاتا غيرسدورف، والقاضية الألمانية غيرترود لوبه-فولف، والصحفي الاستقصائي هارالد شومان، إضافة إلى المخرجين هيفاء المنصور وجعفر بناهي.
كما مُنحت الجائزة عام 2014 إلى جمعية المحامين التقدميين التركية، المعروفة بمواقفها المعارضة للسلطات التركية.
تزايد الدعم الدولي لإمام أوغلو
تُعد الجائزة الألمانية أحدث حلقة في سلسلة الدعم والتكريمات الدولية التي حصل عليها إمام أوغلو منذ اعتقاله.
ففي مارس/آذار الماضي، مُنح “جائزة رئيس البلدية بافيل أداموفيتش” خلال مراسم أقيمت في بروكسل، وهي جائزة تُمنح لشخصيات تدافع عن الحرية والتضامن والمساواة.
وتسلّم الجائزة حينها رئيس بلدية إسطنبول بالوكالة نوري أصلان نيابة عنه.
وترتبط الجائزة بإرث رئيس بلدية غدانسك البولندية الراحل بافيل أداموفيتش، الذي اغتيل عام 2019 أثناء أدائه مهامه العامة.
قلق أوروبي متصاعد من مسار القضاء التركي
تزايدت خلال الأشهر الأخيرة المواقف الأوروبية المنتقدة لاعتقال إمام أوغلو، في ظل مخاوف متنامية من تراجع استقلال القضاء التركي.
وفي هذا السياق، أصدرت الجمعية الألمانية للمدن، المعروفة باسم “دويتشر شتيدتاتاغ”، بيانًا في 16 مارس/آذار طالبت فيه بالإفراج عن إمام أوغلو وساسة محليين آخرين معتقلين في تركيا.
واعتبرت الجمعية أن اعتقالهم وإبعادهم عن مناصبهم يمثل انتهاكًا لمبدأ سيادة القانون، ويثير شكوكًا جدية بشأن استقلال السلطة القضائية في البلاد.
أنقرة ترفض الاتهامات بالتسييس
في المقابل، تواصل الحكومة التركية رفض الاتهامات الغربية المتعلقة بتسييس القضاء، وتؤكد أن التحقيقات بحق إمام أوغلو تجري ضمن إطار قانوني مستقل.
كما تصر السلطات التركية على أن القضاء يعمل بصورة مستقلة عن السلطة التنفيذية، وأن القضايا المرفوعة ضد رئيس بلدية إسطنبول تستند إلى أدلة قانونية وليست ذات دوافع سياسية.
غير أن المعارضة التركية ومنظمات حقوقية دولية تعتبر أن تزامن القضايا مع صعود إمام أوغلو السياسي يعزز الشكوك بشأن وجود أهداف سياسية خلف هذه الإجراءات.
المعارضة التركية بين الضغط الداخلي والدعم الخارجي
تعكس قضية إمام أوغلو حجم التحول الذي طرأ على موقع البلديات الكبرى داخل الحياة السياسية التركية، بعدما أصبحت مراكز نفوذ انتخابي وسياسي تنافس السلطة المركزية.
كما تكشف التطورات الأخيرة عن تزايد البعد الدولي في الأزمة السياسية التركية، مع انتقال ملف الديمقراطية وحقوق المعارضة في تركيا إلى ساحة النقاش الأوروبي والدولي بصورة أكثر وضوحًا.
ويرى محللون أن الدعم الأوروبي المتصاعد لإمام أوغلو لا يقتصر على البعد الحقوقي فقط، بل يرتبط أيضًا برغبة أوروبية في الحفاظ على وجود معارضة تركية قوية قادرة على موازنة النفوذ المتزايد للرئاسة التركية.
خلاصة
تحول منح أكرم إمام أوغلو وزوجته جائزة “المواطن العالمي” في ألمانيا إلى رسالة سياسية أوروبية جديدة بشأن الديمقراطية وسيادة القانون في تركيا، وسط تصاعد الانتقادات الدولية لاعتقاله. وفي المقابل، تواصل أنقرة التأكيد على استقلال القضاء ورفض الاتهامات التي تعتبر القضايا المرفوعة ضد المعارضة ذات دوافع سياسية.

