أثارت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين موجة من الانتقادات عقب تصريح أدلت به خلال فعالية نظمتها صحيفة “دي تسايت” الألمانية بمناسبة مرور ثمانين عاماً على تأسيسها في هامبورغ.
في هذا السياق، شددت على ضرورة أن “يُستكمل بناء القارة الأوروبية” بما يحول دون تشكيلها أو التأثير عليها من قبل قوى خارجية، وذكرت ضمن هذه القوى كلاً من روسيا والصين وتركيا.
هذا الطرح لم يأتِ في فراغ، بل يعكس تحولات أعمق داخل التفكير الاستراتيجي الأوروبي، خاصة في ظل تصاعد المخاوف الأمنية بعد الحرب في أوكرانيا، وتزايد التنافس الجيوسياسي مع الصين، ومحاولات إعادة تعريف الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي بعيداً عن الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة.
موقع تركيا بين الشراكة والريبة
يثير إدراج تركيا ضمن هذا السياق إشكالية خاصة، نظراً لوضعها المركّب في النظام الأوروبي. فهي دولة مرشحة رسمياً لعضوية الاتحاد الأوروبي منذ نهاية تسعينيات القرن الماضي، وعضو فاعل في حلف شمال الأطلسي، كما تُعد شريكاً محورياً للاتحاد في ملفات حساسة تشمل الهجرة، وأمن الطاقة، والاستقرار الإقليمي.
هذا التوصيف يتناقض مع حقيقة أن عدداً كبيراً من المسؤولين الأوروبيين يقرّون بأهمية أنقرة في معادلات الأمن الأوروبي، لا سيما في ظل موقعها الجغرافي الحاسم، وسيطرتها على المضائق التركية التي تشكل بوابة استراتيجية للبحر الأسود، إضافة إلى دورها المتزايد كممر رئيسي للطاقة نحو أوروبا.
ردود الفعل والانتقادات
أثارت تصريحات فون دير لاين ردود فعل نقدية من دوائر سياسية وأكاديمية متعددة. فقد اعتبر الباحث في السياسات الخارجية ريكاردو غاسكو أن هذا التصنيف يعكس ذهنية سياسية ما زالت تجد صعوبة في التعامل مع تركيا كشريك استراتيجي حقيقي، رغم تزايد اعتماد أوروبا عليها في مجالات الأمن والطاقة والصناعة.
من جهتها، عبّرت ميرال حسين-إيجه، عضو مجلس اللوردات البريطاني، عن استغرابها من وضع تركيا في نفس الإطار مع الصين، مشيرة إلى أن تركيا جزء جغرافي من أوروبا وعضو في الناتو، ما يجعل هذا الربط غير منطقي سياسياً.
أما الباحثة السياسية سيرين سلوين كوركماز، فرأت أن هذا الخطاب يمثل تحوّلاً في لغة المفوضية الأوروبية تجاه تركيا، إذ لم تعد تُقدَّم بوصفها شريكاً ضرورياً رغم التوتر، بل كفاعل خارجي يُنظر إليه من زاوية التأثير والنفوذ، وهو ما يحمل دلالات على إعادة تعريف موقعها خارج الفضاء الأوروبي سياسياً، رغم حضورها الجغرافي والأمني.
انتقادات استراتيجية أوسع
في سياق أكثر حدّة، وصف الخبير الاقتصادي تيموثي آش التصريح بأنه يعكس “جهلاً كاملاً” بواقع التوازنات الأمنية في أوروبا، مؤكداً أن أي تصور لمنظومة أمن أوروبي دون الولايات المتحدة لا يمكن أن يستغني عن دور دول مثل تركيا وأوكرانيا وفنلندا وبولندا.
بدوره، اعتبر الباحث ضياء ميرال أن هذا التصريح يكشف خللاً بنيوياً في مقاربة الاتحاد الأوروبي تجاه تركيا، حيث لم يتم التعامل معها يوماً كمرشح حقيقي للعضوية، حتى في الفترات التي شهدت فيها تحسناً نسبياً في معايير الديمقراطية وحقوق الإنسان. ودعا إلى ضرورة وضوح أوروبي أكبر بشأن ما إذا كان مسار انضمام تركيا قد انتهى فعلياً.
جذور التوتر في العلاقات الأوروبية التركية
رغم مرور أكثر من عقدين على منح تركيا صفة الدولة المرشحة، فإن مفاوضات الانضمام تشهد جموداً شبه كامل. ويعود ذلك إلى جملة من العوامل، أبرزها الانتقادات الأوروبية لتراجع معايير الديمقراطية، وقضايا حقوق الإنسان، واستقلال القضاء خلال حكم الرئيس رجب طيب أردوغان.
في المقابل، لم يمنع هذا التوتر من استمرار التعاون العملي بين الطرفين، حيث تظل تركيا شريكاً لا غنى عنه في إدارة ملف اللاجئين، وضبط تدفقات الهجرة، وتأمين مسارات الطاقة، فضلاً عن دورها العسكري داخل الناتو.
التحولات الجيوسياسية وتأثيرها على الخطاب الأوروبي
يأتي هذا الجدل في وقت تعيد فيه أوروبا صياغة رؤيتها الاستراتيجية في عالم يتجه نحو تعددية قطبية. ومع تراجع الثقة الكاملة في المظلة الأمنية الأمريكية، تسعى دول الاتحاد إلى بناء قدرات دفاعية مستقلة، ما يضع تركيا في موقع مزدوج: شريك لا يمكن الاستغناء عنه، لكنه في الوقت ذاته يُنظر إليه كفاعل مستقل قد لا يتماهى دائماً مع الرؤية الأوروبية.
هذا التناقض يفسر جزئياً التحول في الخطاب، حيث يتم التعامل مع تركيا ليس فقط كشريك، بل أيضاً كقوة إقليمية لها أجندتها الخاصة، وهو ما يثير قلق بعض الدوائر الأوروبية.
دلالات
تعكس تصريحات فون دير لاين توتراً بين البعد القيمي والبعد الجيوسياسي في سياسة الاتحاد الأوروبي. فمن جهة، يصرّ الاتحاد على معايير الديمقراطية وحقوق الإنسان كشرط للاندماج، ومن جهة أخرى، تفرض الواقعية السياسية التعامل مع تركيا كشريك لا يمكن تجاوزه.
كما تكشف هذه الواقعة عن أزمة هوية داخل المشروع الأوروبي نفسه: هل يُعرَّف ككيان جغرافي-حضاري مفتوح، أم كمنظومة سياسية مغلقة بشروط صارمة؟ وفي هذا السياق، تبدو تركيا حالة اختبار دائمة لهذا التناقض.

