بقلم: ياوز أجار
ثمة حراك تكتوني يضرب العمق الجيوسياسي للشرق الأوسط في الآونة الأخيرة، حيث تبدو الأدوار التاريخية للقوتين الإقليميتين الكبريين، تركيا وإيران، وكأنها تُعاد صياغتها بيد خفية. هذا المشهد المتغير يضعنا أمام تساؤل جوهري لا مفر منه: هل نشهد عملية تبادل أدوار تدريجية ومنظمة بين أنقرة وطهران، أم أن الأمر لا يعدو كونه تقاطعاً عارضاً للمسارات تمليه الضغوط الدولية المتقلبة؟
نموذج “الدولة المثال”: طموح “كوريا جنوبية” الشرق الأوسط
مع بزوغ فجر الألفية الثالثة وتولي حزب العدالة والتنمية مقاليد الأمور، قُدمت تركيا للعالم بوصفها قصة نجاح إقليمية ملهمة. كانت الدوائر الغربية، ولا سيما واشنطن، تتوق لترسيخ تركيا كنسخة من “كوريا الجنوبية” في قلب العالم الإسلامي؛ دولة مزدهرة اقتصادياً، ديمقراطية بنيوياً، ومتصالحة مع هويتها الإسلامية ضمن نسيج النظام الدولي. في تلك الحقبة، أتقنت أنقرة توظيف أدوات “القوة الناعمة“، متبنيةً عقيدة “تصفير المشكلات” مع الجوار، مما أثمر نمواً اقتصادياً مطرداً وتوطيداً لأواصر الثقة مع المؤسسات الأطلسية والاتحاد الأوروبي.
عسكرة السياسة والانزياح نحو القوة الصلبة
بيد أن العقد الثاني حمل معه بوادر تحول دراماتيكي في البوصلة الاستراتيجية التركية؛ إذ بدأ التحلل التدريجي من النموذج الليبرالي-الغربي لصالح خطاب أكثر استقلالية وتصادمية. هذا التحول البنيوي لم يكن خارجياً فحسب، بل ارتبط بتنامي نفوذ البيروقراطية الأمنية على حساب السياسة المدنية تحت ذريعة حماية بقاء الدولة. وفي خضم سعيها لانتزاع ريادة العالم الإسلامي، اتخذت أنقرة مواقف حادة تجاه إسرائيل، تجلت بوضوح في أزمة “مافي مرمرة؟ والمفارقة التراجيدية هنا تكمن في أن طهران، المنافس التقليدي لأنقرة، استثمرت هذا التوتر ببراعة، محولةً اندفاعة تركيا العاطفية إلى استنزاف لقوتها الناعمة، ودافعةً إياها نحو مسارات صدامية باهظة التكلفة.
الهندسة الداخلية وفقدان الذاكرة المؤسساتية
شكلت احتجاجات “غيزي” ومن ثم قرارات حالة الطوارئ بعد محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016، نقطة انعطاف حاسمة في إعادة هندسة مفاصل الدولة التركية. أدت عمليات التطهير الواسعة في سلك القضاء والجيش والأمن إلى تقوية قبضة السلطة التنفيذية، لكنها في المقابل هزت أركان “الذاكرة المؤسساتية” القائمة على الكفاءة والاحترافية. لقد وجدت تركيا نفسها في حالة انكشاف بشري وعسكري، حيث استنزفت مواردها في معارك الداخل والخارج، مما جعلها أكثر عرضة للتدخلات الخارجية والضغوط الاقتصادية.
المخاطر الاقتصادية والمقامرة الجيوسياسية
على الصعيد الاقتصادي، انخرطت أنقرة في مسارات محفوفة بالمخاطر، مثل تجارة الذهب مع إيران للالتفاف على العقوبات الدولية، وهو ما افتقر إلى رؤية استراتيجية بعيدة المدى. وزاد الطين بلة قرار اقتناء منظومة S-400 الروسية، الذي أحدث شرخاً عميقاً في جدار الثقة مع حلف شمال الأطلسي (الناتو). واليوم، يتجلى هذا التخبط في تضخم مفرط وتآكل لقيمة العملة الوطنية، لدرجة أن أصوات النقد باتت تصدح من داخل المعسكر الحاكم نفسه، كما رأينا في هجوم صحيفة “يني شفق” على السياسات المالية الحالية.
الفرضية الكبرى: هل يُعاد تأهيل طهران وتُعزل أنقرة؟
عند النظر إلى الصورة الكلية، تبرز فرضية مثيرة للقلق: بعد عودة طهران إلى طاولة المفاوضات في إسلام آباد، هل يمهد المحور الأمريكي الإسرائيلي الطريق لإعادة دمج إيران في النظام الدولي مقابل تعديل سلوكها الإقليمي؟ إذا ما نجحت طهران في هذا التحول، فقد تجد تركيا نفسها في موقع “الخصم الوظيفي الجديد” الذي يُستخدم لتبرير التوازنات الجديدة، بينما تتحول إيران من العزلة إلى الشراكة. بمعنى أن إيران تصبح صديقا جديدا بينما تصبح تركيا عدوا جديدا.
وتأتي تصريحات وزير الخارجية هاكان فيدان الأخيرة لتعكس إدراكاً تركياً متزايداً لهذه التحولات العميقة وضرورة إعادة التموضع قبل فوات الأوان.
الذي قوله، انطلاقا من التصريحات الإسرائيلية والتركية في هذا الصدد، هو احتمال وجود مشروع يسعى إلى إعادة هندسة التموضع الإيراني الإقليمي عبر إعادة تعريف دوائر الصداقة والخصومة، وإدراج تركيا تدريجياً في خانة الأعداء أو المنافسين، والتعامل معها كأداة قابلة للتوظيف في إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية.
إزاء هذه الفرضيات، تبدو الحاجة ملحّة إلى مقاربة مزدوجة تقوم على ترسيخ الاستقرار الداخلي وتعزيز التماسك المجتمعي من جهة، وبناء سياسة خارجية رصينة ومرنة من جهة أخرى، قادرة على امتصاص التوترات وإدارة التعقيدات دون الانزلاق إلى مواجهات مفتوحة. كما أن الانخراط في خطابات تصعيدية أو تبنّي مواقف تتجاوز حدود القدرة الواقعية للدولة قد يفتح المجال أمام قوى إقليمية أو دولية لاستغلال تلك الثغرات، وتحويلها إلى ذرائع لتبرير سياسات تصعيدية أو إعادة تشكيل المشهد بما لا يخدم المصالح الاستراتيجية.
مفترق الطرق
تقف تركيا اليوم أمام لحظة الحقيقة؛ فإما الاستمرار في نهج العزلة والمغامرات غير المحسوبة التي ميزت العقد الأخير، أو العودة إلى رحاب الدبلوماسية الرصينة وسيادة القانون لإعادة بناء الثقة الدولية. إن قوة الدول لا تُقاس فقط بترسانتها العسكرية، بل بقدرتها على الحفاظ على استقرارها المؤسسي واتساع حلقة حلفائها الموثوقين.

