في مؤشر لافت على تصاعد التباينات داخل التحالف الحاكم في تركيا، لوّح حزب الحركة القومية بوضع شرط استراتيجي لاستمرار دعمه للرئيس رجب طيب أردوغان في انتخابات عام 2028، يتمثل في تبنّي سياسة خارجية تقوم على تعميق التعاون مع روسيا والصين.
هذا الطرح يعكس تحوّلاً واضحاً في أولويات الحزب القومي، الذي يعد الشريك الأساسي لحزب العدالة والتنمية في الحفاظ على الأغلبية البرلمانية.
تصريحات من موسكو: رسالة سياسية متعددة الاتجاهات
خلال زيارة إلى موسكو في مارس الماضي، كشف إلياس توبصقال، نائب رئيس حزب الحركة القومية ونائب عن ولاية سامسون، أن دعم حزبه المستقبلي للتحالف الحاكم مشروط بما وصفه بـ”برنامج تعاون استراتيجي” مع موسكو وبكين.
وأوضح أن هذا الشرط لا يتعلق بالحصول على مناصب وزارية أو مكاسب داخلية، بل بإعادة توجيه السياسة الخارجية التركية نحو محور أوراسي أكثر وضوحاً.
وأشار إلى أن زيارته إلى روسيا جاءت بتكليف مباشر من زعيم الحزب دولت بهتشلي، بهدف شرح رؤية الحزب بشأن بناء تقارب ثلاثي بين تركيا وروسيا والصين، وذلك أمام دوائر سياسية وأكاديمية روسية.
جذور الطرح: دعوة سابقة لتحالف أوراسي
لم يكن هذا التوجه وليد اللحظة، إذ سبق لبهتشلي أن طرح بشكل علني، في سبتمبر 2025، فكرة إقامة محور ثلاثي يضم تركيا وروسيا والصين، معتبراً ذلك رداً استراتيجياً على ما وصفه بتحالف أمريكي–إسرائيلي معادٍ.
هذا الطرح يمثل خروجاً واضحاً عن المسار التقليدي للسياسة التركية المرتبطة بالتحالفات الغربية، ويضع أنقرة أمام معادلة معقدة بين التزاماتها الدولية وطموحاتها الجيوسياسية.
تناقضات بنيوية: تركيا بين الناتو والمحور الأوراسي
تُعد تركيا عضواً في حلف شمال الأطلسي منذ عام 1952، وتستضيف أصولاً استراتيجية للحلف، ما يجعل أي انحراف جذري في سياستها الخارجية موضع تدقيق دولي واسع.
ورغم ذلك، شهدت السنوات الأخيرة تقارباً ملحوظاً بين أنقرة وموسكو، خاصة في مجالات الطاقة والدفاع، أبرزها صفقة شراء منظومة S-400 الروسية عام 2019، التي أدت إلى استبعاد تركيا من برنامج مقاتلة إف-35 وفرض عقوبات أمريكية بموجب قانون كاتسا.
علاقات معقدة مع روسيا: تعاون وتنافس
رغم التقارب الثنائي، لم تخلُ العلاقات التركية–الروسية من التوتر، حيث دعمت أنقرة وموسكو أطرافاً متعارضة في عدة ساحات، من ليبيا إلى القوقاز، وصولاً إلى سوريا، حيث وقفت تركيا إلى جانب المعارضة، بينما دعمت روسيا نظام بشار الأسد قبل سقوطه.
وقد أسهمت هذه التباينات في تصاعد مشاعر سلبية تجاه تركيا داخل الأوساط الروسية، ما يعكس هشاشة التفاهمات بين الطرفين رغم المصالح المشتركة.
الصين: شراكة اقتصادية وتوترات سياسية
في المقابل، توسعت علاقات تركيا مع الصين في مجالات التجارة والبنية التحتية والتكنولوجيا، إلا أن هذه العلاقة لم تخلُ من حساسيات سياسية، خصوصاً فيما يتعلق بملف الإيغور في إقليم شينجيانغ.
ورغم الانتقادات التركية السابقة، لوحظ في السنوات الأخيرة تراجع حدة الخطاب الرسمي، إلى جانب اتخاذ إجراءات للحد من الأنشطة الاحتجاجية المؤيدة للإيغور داخل تركيا.
توجه نحو المؤسسات الأوراسية
بحسب التقارير، يسعى حزب الحركة القومية إلى دفع تركيا نحو تعزيز حضورها في تكتلات أوراسية، مثل منظمة شنغهاي للتعاون ومنظمة معاهدة الأمن الجماعي وكومنولث الدول المستقلة، إلى تنسيق أوسع مع منظمة الدول التركية.
هذا التوجه يعكس رؤية استراتيجية تهدف إلى إعادة تموضع تركيا ضمن توازنات دولية متعددة الأقطاب، بدلاً من الاعتماد الحصري على الغرب.
حزب الحركة القومية: لاعب حاسم في المعادلة السياسية
تأسس الحزب عام 1969 على يد ألب أرسلان توركش، ويُعد من أبرز التيارات القومية اليمينية في تركيا.
ومنذ محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016، لعب الحزب دوراً محورياً في دعم بقاء حزب العدالة والتنمية في السلطة، ما جعله شريكاً لا غنى عنه في المعادلة السياسية الحالية.
نحو إعادة رسم البوصلة الاستراتيجية
تعكس هذه التصريحات تحوّلاً متزايداً داخل بعض دوائر الحكم في تركيا نحو تبنّي مقاربة أكثر استقلالية عن الغرب، في ظل تراجع الثقة المتبادلة مع الحلفاء التقليديين.
غير أن هذا التوجه يطرح تحديات معقدة، إذ إن الانخراط في محور أوراسي قد يضع أنقرة في مواجهة مباشرة مع التزاماتها داخل الناتو، ويهدد توازنها الدقيق بين الشرق والغرب.
كما أن ربط الدعم السياسي الداخلي بمسار السياسة الخارجية يعكس تسييساً متزايداً للخيارات الاستراتيجية، ما قد ينعكس على استقرار التحالف الحاكم مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.

