في ظل التحولات التي أعقبت إعلان حزب العمال الكردستاني تخليه عن العمل المسلح وحلّ نفسه، دعت الرئيسة المشتركة لحزب المساواة والديمقراطية للشعوب تولاي حاتم أوغلو إلى الانتقال نحو مرحلة جديدة قائمة على إجراءات قانونية ملموسة، في مقدمتها سنّ “قانون سلام” شامل. وأكدت أن المرحلة الراهنة لم تعد تحتمل الاكتفاء بالتصريحات السياسية، بل تتطلب ضمانات تشريعية واضحة، من المنتظر أن يناقشها البرلمان التركي عقب انتهاء العطلة البرلمانية.
وشددت على أن قضايا مثل إنهاء نظام تعيين الأوصياء الحكوميين على البلديات، وتوسيع الحريات السياسية، وإدخال إصلاحات على نظام السجون، لم تعد مطالب نظرية، بل تحولت إلى استحقاقات مطروحة على طاولة القرار السياسي.
انتقادات لبطء الحكومة: غياب التوازن في الخطوات المتبادلة
أشارت حاتم أوغلو إلى أن الأطراف الكردية اتخذت خطوات حاسمة لإنهاء الصراع المسلح، إلا أن الحكومة، بحسب تعبيرها، لم تواكب هذا التحول بالإصلاحات المطلوبة بالوتيرة نفسها. واعتبرت أن نجاح العملية مرهون بإرادة سياسية متبادلة، تحافظ على التوازن بين الخطوات الأمنية والسياسية.
كما دعت إلى الإفراج عن السياسيين المعتقلين، منتقدة استمرار العمل بنظام الأوصياء الذي يُستبدل بموجبه رؤساء البلديات المنتخبون، خاصة في المناطق ذات الأغلبية الكردية، بمسؤولين معيّنين من قبل الحكومة، معتبرة أن ذلك يتعارض مع مبادئ الديمقراطية ومع توصيات لجنة برلمانية أُنشئت لدعم مسار السلام.
مشروع إصلاح قانوني: مقترحات دون حسم القضايا الحساسة
في هذا السياق، أعدّت اللجنة البرلمانية تقريراً أولياً يتضمن مقترحات لتعديلات قانونية مرتبطة بعملية السلام، تشمل مراجعة قوانين مكافحة الإرهاب، ووضع آليات لإعادة دمج عناصر حزب العمال الكردستاني السابقين في المجتمع، إضافة إلى إنهاء نظام الأوصياء.
غير أن التقرير تجنّب الخوض بشكل مباشر في مسألة الإفراج عن زعيم الحزب المسجون عبد الله أوجلان، كما لم يستخدم مصطلح “الحق في الأمل”، رغم إشاراته إلى أحكام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان والمحكمة الدستورية التركية المتعلقة بتنفيذ العقوبات. ويرى خبراء قانونيون أن هذه الصياغات تحمل تلميحاً غير مباشر إلى هذا المبدأ، الذي ينص على ضرورة وجود أفق واقعي للإفراج حتى عن المحكومين بالسجن المؤبد.
تحذيرات من التعطيل: تداعيات داخلية وإقليمية
حذّرت حاتم أوغلو من أن أي تأخير في تنفيذ الإصلاحات الديمقراطية قد يؤدي إلى نتائج سلبية، مؤكدة أن استقرار تركيا الداخلي يمثل عاملاً حاسماً في تحصينها من تداعيات النزاعات الإقليمية. واعتبرت أن تحقيق السلام الداخلي يزيل واحدة من أبرز نقاط الضعف في منظومة الأمن والدفاع التركية.
وفي هذا الإطار، طرحت ثلاثة مسارات محتملة أمام الحكومة: تسريع عملية السلام والإصلاح الديمقراطي، أو إنهاء المسار بالكامل، أو الاستمرار في المماطلة، مشددة على أن الخيار الأول وحده كفيل بتقليل مخاطر الانزلاق إلى أزمات أوسع في المنطقة.
القضية الكردية: ملف مفتوح يتطلب حلاً سياسياً
رفضت حاتم أوغلو الطروحات التي تعتبر أن القضية الكردية قد حُسمت، مؤكدة أنها لا تزال قضية سياسية معقدة وممتدة، تتطلب حلاً قائماً على المساواة والحقوق والضمانات القانونية. وتُعد هذه القضية من أبرز الملفات في الحياة السياسية التركية، حيث ترتبط بمطالب الأكراد بالاعتراف والتمثيل والحقوق المتساوية.
تحديات سياسية وإعلامية: توسيع الدور رغم الضغوط
أكدت حاتم أوغلو أن حزبها يسعى إلى توسيع حضوره في المشهد السياسي التركي، رغم ما وصفته بظروف العزلة السياسية والتعتيم الإعلامي وسياسات التجريم التي طالت الحزب والأحزاب السابقة المرتبطة به. وأشارت إلى أن الحزب سيواصل الانفتاح على مختلف شرائح المجتمع لتعزيز موقعه السياسي.
سياق العملية: من دعوة أوجلان إلى حلّ الحزب
تأتي هذه التطورات في أعقاب دعوة أوجلان في فبراير 2025 إلى إلقاء السلاح، وهي الدعوة التي مهّدت لقرار الحزب في مايو من العام نفسه بحلّ نفسه، منهياً صراعاً مسلحاً استمر منذ عام 1984 وأودى بحياة أكثر من أربعين ألف شخص.
ورغم إعداد تقرير برلماني حول الإصلاحات المحتملة، لا تزال قضايا جوهرية، مثل مصير السجناء السياسيين والوضع القانوني لأوجلان، دون حسم، ما يترك العملية برمتها في حالة ترقب.
انقسام داخلي: ثقة محدودة ومخاوف قومية
تُظهر النقاشات العامة حول العملية استمرار حالة الاستقطاب داخل المجتمع التركي، حيث تعكس استطلاعات حديثة وجود حالة من عدم الثقة لدى شريحة واسعة من الأكراد، الذين يطالبون بضمانات قانونية ملموسة، في مقابل مخاوف لدى التيارات القومية بشأن وحدة الدولة.
خلاصة
تشير المرحلة الحالية من مسار السلام في تركيا إلى انتقال حاسم نحو الاختبار القانوني والسياسي، وسط مطالب متزايدة بضمانات ملموسة. ويبقى نجاح العملية مرهوناً بقدرة الأطراف على تحقيق توازن بين الإصلاحات الديمقراطية والهواجس الأمنية.

